محمد بن رامس الرواس
في ظل هذا الوضع الجيوسياسي المتأزم الذي تعيشه المنطقة، كان ولا بُد من أن تظهر رؤية تدعو إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال قنوات دبلوماسية فاعلة، ومن هنا نستطيع أن نقرأ محاضرة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، التي ألقاها في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج البريطانية العريقة، والتي استدعى خلالها التاريخ وتحديدًا اجتماع مسقط الذي عُقد في نوفمبر 1976؛ ذلك الاجتماع التاريخي الذي جمع وزراء خارجية الدول الخليجية الثماني المطلة على الخليج (دول مجلس التعاون الخليجي الست، إلى جانب العراق وإيران) بهدف العمل على إقامة ترتيبات أمنية إقليمية جماعية وتحقيق الاستقرار للجميع في أعقاب انسحاب القوات البريطانية من شرق السويس.
لقد دعت سلطنة عُمان مجددًا من خلال وزير خارجيتها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي دول الخليج إلى إطلاق حوار إقليمي يضم العراق وإيران، ومثّلت كلمة معاليه طرحًا متكاملًا يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إرساء منظومة أمنية إقليمية شاملة؛ إذ دعا دول الخليج إلى تحمل مسؤولية أمنها عبر هذا الحوار الذي يستهدف التوصل لميثاق "عدم اعتداء" يُؤسِّس لمنظومة أمنية إقليمية جديدة.
وفي تحليلٍ لأبعاد هذا الطرح، يبرز موقف واضح يؤكد أن استبعاد إيران والعراق الشركاء الاقليميون من الترتيبات الأمنية الإقليمية خلّف تداعيات سلبية عميقة على المنطقة بأسرها، وبناءً عليه، فإن أي منظومة أمنية لا تشمل الدول الثماني ستكون بطبيعتها غير مستقرة.
وأشار معالي السيد وجوب تولي دول الخليج (بدولها الثماني) المسؤولية الكاملة في تصميم وتطوير وتنفيذ هيكل أمنها الإقليمي بنفسها، وعدم الاعتماد الكلي على الأطراف والشركاء الخارجيين في صياغة استقرارها. كما نوه إلى إعادة توجيه طبيعة الشراكات مع القوى الكبرى لتتحول من التزامات ذات صبغة عسكرية أمنية رئيسية إلى استثمار اقتصادي وتجاري واسع النطاق يدعم التنمية والازدهار لمجتمعات الدول الثماني بأسرها.
واختتم معاليه بالتنويه بأهمية وضع آليات وفهم مشترك لإدارة القضايا الحساسة مثل تنظيم وحماية حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الذي يمثل جزءًا محوريًا من أعمال الحوار.
وختامًا.. إنَّ الدعوة لتأسيس منظومة أمنية إقليمية شاملة تضم الدول الثماني المطلة على الخليج، ترسم خارطة طريق واقعية لمعالجة الأزمات المزمنة في المنطقة، وتساعد على تجاوز سياسات الإقصاء، وتبني ميثاقًا جادًا لعدم الاعتداء؛ مما يعكس وعيًا عميقًا بأن أمن الخليج والمنطقة "كلٌ لا يتجزأ"، وأن الحوار البنَّاء بين دول الجوار هو السبيل الأوحد لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للجميع دون استثناء.
