هل تنجح الدبلوماسية في إبعاد المنطقة عن شبح الحرب؟

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

في هذه اللحظات البالغة الخطورة، التي تتصاعد فيها التهديدات الأمريكية ضد إيران، وتترافق معها الحشود والاستعدادات العسكرية التي تنذر باحتمالات مواجهة واسعة، تأتي زيارة وفد دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى طهران لتشكل تطورًا سياسيًا لافتًا، من حيث توقيتها، وطبيعة الدول المشاركة فيها، وما يُمكن أن تحمله من رسائل، وما قد تفضي إليه من نتائج.

الزيارة التي تكوَّنت من وفد رفيع المستوى يترأسه صاحب السُّمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وزير الدفاع، بمُشاركة رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، ممثلين عن دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، لإجراء مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين، تأتي في وقت تبدو فيه المنطقة أقرب إلى مواجهة تتجاوز حدود أطرافها المباشرين، وتضع أمن دولها كافة واستقرارها أمام مخاطر يصعب احتواؤها إذا اندلعت شرارتها الأولى.

ولعلَّ أهم ما يُميز هذه المبادرة أنها تجمع دولًا تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا، وترتبط بعلاقات متفاوتة مع الولايات المتحدة وإيران، بما يمنحها قدرة محتملة على التواصل مع الطرفين، والبحث عن مخارج سياسية تحول دون الانزلاق إلى الحرب.

السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إقليمية، تدرك أنَّ أي مواجهة عسكرية واسعة ستنعكس بصورة مباشرة على أمن الخليج واستقراره. وتركيا، بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية والإقليمية، تمتلك بدورها مصلحة واضحة في منع اتساع الصراع. أما باكستان، فبما تتمتع به من قدرات عسكرية وعلاقات مع الأطراف المعنية، فقد تكون مؤهلة لأداء دور في تقريب المواقف، خصوصًا إذا استطاعت توظيف قنوات اتصالها في نقل الرسائل وتخفيف حدة التوتر.

غير أنَّ أهمية الزيارة لا تنبع من وزن الدول المشاركة فيها وحده، بل من طبيعة الرسالة التي يحملها التوجه إلى العاصمة الإيرانية؛ فالذهاب إلى طهران، في ظل التهديدات والحشود العسكرية الأمريكية، يعكس إدراكًا بأن احتواء الأزمة يقتضي التواصل المباشر مع أحد أطرافها الرئيسيين، بدل الاكتفاء بتبادل المواقف والتحذيرات من بعيد. كما أن توقيت المبادرة يضفي عليها دلالة إضافية؛ إذ يشير إلى أنَّ الدول المشاركة لا تريد انتظار وقوع المواجهة حتى تبدأ البحث عن سبل احتوائها، وإنما تسعى إلى التدخل السياسي قبل أن تصبح الخيارات الدبلوماسية أكثر ضيقًا، أو تفقد قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.

السؤال الأهم في رأيي يتعلق بما يمكن أن تفضي إليه مباحثاتها قبل تعلقه بدلالاتها السياسية. فهل نحن أمام مبادرة دبلوماسية تستطيع إحداث اختراق في الأزمة، أم أنها محاولة لخفض التوتر دون معالجة أسبابه؟ وهل لدى الدول المشاركة ما يكفي من القدرة على التأثير في الحسابات الأمريكية والإيرانية، أم أن دورها سينحصر فقط في نقل الرسائل وتقريب وجهات النظر؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تتوقف على طبيعة التفاهمات التي قد تسفر عنها هذه المباحثات، ومدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل معها بجدية. فإذا استطاع الوفد الحصول على تصور إيراني واضح بشأن شروط التهدئة وحدود الاستعداد للتفاوض، ونقل هذا التصور إلى واشنطن عبر قنوات موثوقة، فقد تُشكِّل الزيارة بداية مسار سياسي أكثر جدية. أما إذا اقتصرت المباحثات على تأكيد المواقف المعروفة، وتبادل رسائل حسن النية، فإنَّ تأثيرها سيظل محدودًا، مهما بلغت أهمية المبادرة.

ومن هنا، فإنَّ أول ما يُؤمل تحقيقه هو التوصل إلى تفاهمات أولية تمنع وقوع مواجهة عسكرية جديدة، أو على الأقل تتيح فترة تهدئة تفتح المجال أمام اتصالات ومفاوضات أوسع. وفي كل الحالات قد يكون مجرد إبعاد خطر الضربة العسكرية المباشرة، ومنع سلسلة الردود التي يمكن أن تترتب عليها، إنجازًا سياسيًا بالغ الأهمية.

أما المأمول الثاني، فيتمثل قي أن تنجح المباحثات في بلورة إطار دبلوماسي تتكامل فيه جهود الدول المشاركة مع الوساطات القطرية والباكستانية، بما يحول المبادرات المتفرقة إلى مسار أكثر تنسيقًا وقدرة على التأثير.

وقد يكون من النتائج المهمة أيضًا أن تسهم الزيارة في بناء قدر من الثقة بين إيران والدول المشاركة، بما يفتح المجال أمام تفاهمات أمنية أوسع، ويؤكد أن الخلافات القائمة لا تستوجب بالضرورة الانخراط في المواجهات العسكرية أو الاصطفاف خلف خيارات الحرب.

غير أنَّ هذه التوقعات، على أهميتها، تصطدم بعقبات حقيقية؛ إذ إن التصعيد الأمريكي لا يقوم على التهديدات اللفظية وحدها، وإنما يترافق مع حشود واستعدادات عسكرية تجعل احتمالات استخدام القوة قائمة. وفي المقابل، فإنَّ إيران لا تستطيع التعامل مع هذه التهديدات بمعزل عن حساباتها الأمنية والسياسية، أو عن ضرورة إظهار قدرتها على الردع.

وبين هذين الموقفين تكمن صعوبة مهمة الوفد؛ حيث إن المطلوب ليس مجرد إقناع الطرفين بأفضلية التهدئة، وإنما إيجاد صيغة تسمح لكل منهما بالتراجع عن حافة المواجهة دون أن يبدو ذلك تراجعًا عن مصالحه الأساسية. وهنا تحديدًا يمكن أن تظهر القيمة الحقيقية للمبادرة؛ في قدرتها على توفير مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الأطراف، ويجعل التفاوض خيارًا ممكنًا بدلًا من الحرب.

ولعلَّ من الضروري، في تقييم مآلات هذه الزيارة، التمييز بين 3 احتمالات:

أولها أن تنجح في فتح مسار تفاوضي جاد، يبدأ بتفاهمات لخفض التصعيد، ثم يتطور إلى معالجة القضايا الخلافية الأوسع. وهذا هو الاحتمال الأكثر أملًا، وإن كان يتطلب إرادة سياسية تتجاوز مجرد الرغبة في تجنب الحرب.

وثانيها أن تحقق تهدئة مؤقتة دون اختراق جوهري، وهو احتمال قد يكون أقرب إلى طبيعة الأزمات المعقدة، لكنه يظل أفضل من استمرار الانزلاق نحو المواجهة، خصوصًا إذا أتاح الوقت لبناء تفاهمات أكثر استقرارًا.

أما الاحتمال الثالث، فهو ألا تفضي المباحثات إلى نتائج ملموسة، وأن تستمر الحشود والتهديدات والردود المتبادلة، بما يُعيد المنطقة إلى نقطة الخطر نفسها، وربما في ظروف أشد تعقيدًا.

ولا يمكن ترجيح أحد هذه الاحتمالات بصورة حاسمة قبل اتضاح ما ستسفر عنه الزيارة، وطبيعة الاتصالات التي ستعقبها، ومواقف واشنطن وطهران من المقترحات المطروحة.

ومع ذلك، فإنَّ المبادرة بحد ذاتها تحمل دلالة سياسية تستحق الإشادة؛ فهي تعكس تنامي القناعة لدى دول إقليمية مؤثرة بأن ترك الأزمة لمنطق التصعيد العسكري وحده ينطوي على مخاطر لا تستطيع أي دولة في المنطقة أن تنأى بنفسها عن نتائجها.

ومن ناحية ثانية، تشير إلى إدراك متزايد بأن أمن المنطقة لا ينبغي أن يبقى رهيناً لقرارات الحرب والسلام التي تتخذها القوى الكبرى، وأن الدول المعنية بنتائج أي مواجهة يجب أن يكون لها دور فاعل في منعها، لا أن تكتفي بالتعامل مع تداعياتها بعد وقوعها.

ومن هذه الزاوية، قد تتجاوز أهمية زيارة طهران ما تسفر عنه من نتائج مباشرة، إذا استطاعت أن تؤسس لنمط جديد من التشاور والتنسيق الإقليمي، يجعل الحوار وسيلة دائمة لإدارة الأزمات، وليس فقط استجابة مؤقتة عندما تقترب المنطقة من شفير الحرب.

إن زيارة طهران تمثل فرصة مهمة، وربما واحدة من الفرص القليلة المتاحة في هذه اللحظة الحرجة، لإعادة الاعتبار إلى الحلول السياسية قبل أن تفرض المواجهة العسكرية منطقها على الجميع. والأمل أن تدرك الأطراف المعنية أن نجاح المبادرة لا ينبغي أن يُحسب انتصارًا لطرف على آخر، وإنما مكسبًا مشتركًا لدول المنطقة وشعوبها، التي ستكون أول من يدفع ثمن أي حرب جديدة، وآخر من يتعافى من آثارها.

ليس المطلوب من مباحثات طهران أن تحل جميع خلافات المنطقة دفعة واحدة، وإنما أن تنجح، في هذه اللحظة الفاصلة، في منع الحرب وفتح باب السياسة. وإذا تحقق ذلك، فستكون المبادرة قد أنجزت ما هو أهم من إصدار بيان دبلوماسي جديد، وهو أن تمنح المنطقة فرصة أخرى للسلام، قبل أن يصبح ثمنه أكبر بكثير.

الأكثر قراءة

z