الأبعاد الاستراتيجية لمواجهة إيران وركائز الهيمنة الغربية

 

 

 

زكريا الحسني

تشريح الأزمة وخلفيات التوتر لا يُمكن قراءة المشهد السياسي المتوتر في منطقة الشرق الأوسط بمعزل عن التحولات الكبرى التي تشهدها موازين القوى العالمية؛ فالحديث عن المواجهة أو الاستهداف الممنهج لإيران ليس مجرد صراع عابر على نفوذ أمني أو ملفات إقليمية محدودة؛ بل هو تجلٍ جلي لصدام استراتيجي عميق بين مشروعين: مشروع تسعى من خلاله المنظومة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إلى إبقاء المنطقة تحت مظلة القطبية الواحدة ومشروع إقليمي يطمح إلى الخروج من هذه العباءة وتثبيت أقدامه كلاعب مستقل في جغرافيا سياسية شديدة التعقيد.

والسعي الغربي الحثيث لتطويق النفوذ الإيراني ينطلق من محددات استراتيجية وممنهجة تتجاوز الذرائع المعلنة لتصل إلى عمق البنية الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي تحكم العالم اليوم.

أولًا: السيادة الوطنية ووأد مشروع النهضة المستقلة تدرك القوى الغربية أن الخطورة الحقيقية لأي دولة إقليمية لا تكمن فقط في عتادها العسكري التقليدي بل في قدرتها على الامتلاك الكامل لإرادتها وسيادتها الوطنية.

وسلب الإرادة والسيادة هو الهدف الأول والأساسي لكل سياسات الضغط والعزل إذ يُراد للمنطقة أن تظل محكومة بقرارات تصنع خارج حدودها.

ومن هنا يأتي المحور الثاني المتمثل في وأد النهضة والتطور؛ فالهدف المباشر هو إيقاف أي مسار تصاعدي يهدف إلى تحويل إيران إلى قوة إقليمية فاعلة ومتنامية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والصناعة والاقتصاد. وامتلاك المعرفة المستقلة والقدرة التكنولوجية الذاتية يعني كسر التبعية وهو ما تراه الهيمنة الغربية خطرًا مباشرًا على قواعد اللعبة؛ حيث إن الهدف النهائي هو تجريد القرار الوطني من مضمون الاستقلالية وجعل الدولة عاجزة عن قول كلمة (لا) أمام القرارات والإملاءات الدولية.

ثانيًا: التنافس التكنولوجي وكسر الاحتكار الدفاعي في العصر الحديث لم تعد النهضة تقاس فقط بمؤشرات النمو التقليدية؛ بل بالسيادة التقنية والعلمية إن التطور المتسارع في التقنيات الدفاعية والبرامج الفضائية، وتكنولوجيا الطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ فضلًا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمثل تحديًا جوهريًا لسياسة كسر الاحتكار.

وترى المنظومة الغربية في امتلاك دولة إقليمية لتقنيات دفاعية وتكنولوجية محلية الصنع تهديدًا مستمرًا للتفوق الميداني والعلمي الذي احتكرته لعقود؛ إذ إن كسر احتكار سلاح المعرفة والتقنية يسقط أوراق الضغط والتفوق النوعي التي تعتمد عليها القوى الكبرى لفرض الشروط وإدارة التوازنات الإقليمية.

ثالثًا: الممرات الملاحية والتحكم بشرايين الطاقة على الساحة الجيوسياسية تشكل الجغرافيا الورقة الأقوى في إدارة الصراعات، ويقف مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة كأحد أهم الممرات البحرية وأكثرها خطورة على مستوى العالم إذ يمر عبره نحو 20% إلى 21% من إجمالي إمدادات النفط والغاز والسلع الأساسية عالميًا.

وإحكام السيطرة أو التأثير على هذا الشريان الحيوي يمنح القوى الدولية قدرة هائلة على التحكم بأسواق الطاقة والتجارة العالمية. وبالتالي فإن المحافظة على النفوذ بالقرب من هذه المضائق تضمن للولايات المتحدة وحلفائها اليد الطولى في توجيه الاقتصاد العالمي والتحكم في تدفقات الطاقة التي تعتمد عليها كبرى الصناعات الشرقية والغربية على حد سواء.

رابعًا: شبكات الربط القاري والممرات البرية البديلة تتعدى معركة الممرات المسرح البحري المباشر لتصل إلى صراع الطرق البرية وسلاسل الإمداد القارية إن انخراط إيران في مشاريع استراتيجية مثل ممر شمال جنوب (INSTC) -الذي يربط المحيط الهندي بروسيا وأوروبا إلى جانب موقعها الجغرافي المحوري ضمن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية- يمثل إعادة رسم لخارطة التجارة العالمية.

وتكمن أهمية هذه الممرات البرية البديلة في قدرتها على الالتفاف على المحاصرة البحرية والتقليل من فاعلية النفوذ الأسطولي الغربي. إن خروج خطوط التجارة القارية عن مناطق السيطرة البحرية القديمة يخلق مجالات اقتصادية محمية تعزز التبادل التجاري المباشر بين القوى الآسيوية والأوروآسيوية.

خامسًا: صراع الأقطاب وكبح صعود المنافسين (الصين نموذجًا) لا يمكن فصل الصراع في الشرق الأوسط عن الصراع الكوني الأكبر بين واشنطن وبكين فالصين بوصفها الاقتصاد المتنامي بسرعة فائقة تعتمد بشكل أساسي على موارد الطاقة القادمة من المنطقة لتغذية محركاتها الصناعية.

ومن هنا تهدف الضغوط الغربية المتواصلة إلى قطع الطريق أمام التمدد الاقتصادي المتسارع للصين في المنطقة ومنع تشكل حلف استراتيجي يربط القوة الاقتصادية الصينية بالموارد الهيدروكربونية في الشرق الأوسط إن تحول الشراكات التجارية والطاقوية نحو الشرق يهدد بشكل مباشر الانفراد الغربي بالهيمنة الاقتصادية ويؤشر لولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب ينهي حقبة القطب الواحد.

سادسًا: التكتلات الدولية الجديدة والالتفاف على العقوبات تتجلى خطورة التحول الجيوسياسي الراهن في انضمام إيران إلى كتل ومنظمات دولية صاعدة وفي مقدمتها تكتل بريكس" (BRICS) ومنظمة شانغهاي للتعاون (SCO).

تكمن أهمية هذه المنظمات في كونها تؤسس لبنية تحتية مالية وسياسية وتجارية بديلة لمؤسسات النظام الدولي التقليدي (مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) إن وجود شبكة تعاملات تجارية واقتصادية محمية داخل هذه التكتلات يضعف فاعلية العقوبات الاقتصادية، ويجعل من سياسات الحصار المالي أداة محدودة الأثر في إخضاع القرار السياسي.

سابعًا: معركة البترودولار وهدم ركائز النظام المالي تمثل حماية هيمنة الدولار الركيزة الأكثر حساسية في الاستراتيجية الغربية فالنظام المالي العالمي الحالي يعتمد على فرض عملة ورقية تستخدم كمعيار للتبادلات التجارية العالمية لا سيما النفطية دون أن تكون مدعومة بغطاء ملموس من المعادن النفيسة كالذهب أو الفضة.

وأيُّ محاولة لتجاوز الدولار واعتماد العملات المحلية أو أنظمة التبادل السلعي المباشر في تجارة النفط والطاقة تعد خطًا أحمر بالنسبة للمنظومة الغربية لأنها تهدد القوة الشرائية والدور المحوري للدولار والذي تستمد منه الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من نفوذها السياسي والاقتصادي ومواجهة هذه المحاولات تعني الحفاظ على آلية تتيح الاستحواذ على الثروات الفعلية للشعوب مقابل أوراق نقدية تحكمها السياسات المباشرة للمركزي الأمريكي.

ثامنًا: هندسة الأمن الإقليمي واستدامة النفوذ العسكري يرتبط استمرار الضغط الغربي بشرعنة الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة؛ إن إبقاء حالة التوتر وعدم الاستقرار يوفر للغطاء السياسي والاستراتيجي برهانًا لاستمرار القواعد العسكرية الغربية ويضمن تدفق صفقات السلاح المليارية تحت شعار حفظ التوازن ودفع المخاطر.

وفي المقابل فإن طرح معادلة أمنية قائمة على الشراكة الإقليمية بين دول المنطقة بعيدًا عن التدخلات الخارجية يهدد بتقليص الحاجة إلى هذا الوجود العسكري مما يفقد القوى الدولية إحدى أهم أوراق نفوذها المباشر في الشرق الأوسط.

تاسعًا: التماسك الثقافي ومواجهة الهيمنة الأيديولوجية لا تكتمل معركة السيادة دون جانبها الفكري والثقافي فإلى جانب الضغوط العسكرية والاقتصادية تستخدم القوة الناعمة كأداة لتفكيك البناء الاجتماعي وتنميط القيم وفق نموذج العولمة الغربية.

والاحتفاظ بهوية ثقافية وعقيدة سياسية مستقلة يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الاختراق الناعم فالدولة التي تمتلك مناعة فكرية وحضارية تبدي قدرة أكبر على الصمود أمام الضغوط الخارجية وتصعب إخضاعها من الداخل مقارنة بالمجتمعات التي استسلمت للنمط الثقافي الوافد.

ونهب المقدرات والاحتفاظ بمركزية القوة إن المحصلة النهائية لكل هذه المحاور تتلخص في نهب المقدرات والاحتفاظ بمركزية القوة حيث تبذل الجهود لإبقاء دول المنطقة وشعوبها تحت وطأة الأزمات والضغوط الاقتصادية المتلاحقة إن المنظومة الغربية تسعى جاهدة لمنع قيام أي تكتل إقليمي مستقل يمتلك المقومات الاقتصادية والعلمية والجغرافية والثقافية التي تمكنه من فرض شروطه على المسرح الدولي.

ويبقى السؤال قائمًا: هل ستنجح هذه الضغوط المتعددة الأبعاد في تثبيت قواعد النظام العالمي القديم؟ أم أن التحولات الهيكلية المتسارعة ستفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا يُعيد تعريف مفاهيم السيادة والنهضة في المنطقة والعالم؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z