حسين محمد
نشأ علم الخطابة نشأةً يونانية، حيث توفرت بنية تنازع وخصومة قضائية وصراع سياسي وبرلماني في أسواق المدينة والساحات العامة. ولعلَّ شدة أهميته تكمن في ارتباطه المباشر بمجال المعتقدات والآراء والميول والأهواء؛ لأنه أشد أبعاد الإنسان قابليةً للتأثير والتوجيه والتلوين والتكييف.
ومن هنا، سعى الفلاسفة حينها إلى تسييج القول ضمن دائرة الفضيلة والحق، حمايةً للجمهور من التلاعب بآرائه من خلال تلبيس الحق بالباطل، والانتصار للشيء ونقيضه. وفي هذا السياق ظهرت فئة السفسطائيون: وهم فئة من الفلاسفة والمُعلمين اليونانيين في القرن الخامس قبل الميلاد، اشتهروا بتعليم الشباب فنون الإقناع والبلاغة والجدل مقابل أجر. وقد شنّ أفلاطون حملة عليهم؛ لأنَّ الفن والسليقة والفطرة والموهبة والفضيلة أصبحت مرهونة بالتكسب، ولم تعد دوافعها سليمة من حيث المبدأ.
وإذا انتقلنا من التجربة اليونانية إلى الخطابة العربية في الجاهلية، نجد أنَّ الأمر لم يكن بعيدًا عن ذلك؛ فعندما أصبح الشعر حرفةً تكسُّبية، فقد الشعر مكانته، وأخذت الخطابة تتصدر المشهد. ولم يكن العرب بعيدين عن هذا الفن، فقد كانت للخطابة مكانة في حياة العرب، أملتها حاجات مُلحّة بسبب عيشهم ونمط حياتهم ونزاعهم القبلي والمنافرات والمفاخرات والصراعات والحروب.
وقد كانوا يحتاجون إلى كلام غير منظوم؛ فقد كان الخطباء ينطقون بلسان القبائل، ويحرصون على أن يعجبوا السامعين، لا ليقنعوهم فحسب، بل ليثيروا فيهم لذةً فنية. ومن هنا، كانت الخطابة وسيلةً للحث على القتال وشحذ الهمم والاستنفار، ووسيلةً أيضًا للجنوح إلى السلم وحقن الدماء. كما كانوا بحاجة إليها في الوعظ والإرشاد والمناسبات، كالتأبين والعزاء والنكاح والوفادة على الملوك.
ولم تكن الخطابة مجرد وسيلة للتعبير أو الإقناع، بل ارتبطت كذلك بصفات الخطيب وفضائله؛ إذ كان للخطيب عند العرب فضائل ينبغي أن يتحلى بها، مثل فضائل الشرف وقيم السؤدد والفخامة، كالحكمة والسيادة والشجاعة.
ومع انتقالنا إلى عصر صدر الإسلام، نلاحظ أن القرآن كان له أثر كبير على الخطيب؛ ذلك أنَّ القرآن كان له قوة بيانية وبلاغية لدى المتلقي، وقد استطاع الخطيب أن يدعم خطبته بحجج وبراهين وآيات من القرآن، مما يُعزز خطابه ويمكنه من نفوس المستمعين. حيث وجب على الخطيب في الإسلام أن يكون رجلًا صاحب ورع وسمعة طيبة ومصداقية ومنطق وفضيلة.
ولكننا، إذا انتقلنا إلى الخطيب الحديث، نرى تصورًا مختلفًا لطبيعة التأثير في الجماهير؛ فعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير»، الصادر عام 1895، قال إن المتلقي لا يقتنع بالحقائق المنطقية والعقلانية، بل بالشعارات الرنانة والخيال. ويكفي أن تكون للخطيب أو القائد كاريزما جبارة يفرض بها سلطته، من خلال الهيبة والتكرار، وأن الجماعات منقادة باللاشعور والغرائز والخطابات العاطفية والمشاهد الاستعراضية المبكرة.
وقد فَهِم هذا جيدًا أدولف هتلر، واعتمد هذه النظرية؛ حيث كان يخاطب الجماهير، وينسق لغة جسده وصوته وكلامه. وكان يتدرب بالساعات والأيام لكل خطبة، حتى وإن كان الكلام لا يعتمد على المنطق والمصداقية. وهذا ما آمن به أيضًا وزير إعلامه جوزيف غوبلز، حيث كانت له نظرية يقول فيها: «اكذب حتى يصدقك الناس».
ومن هنا، فإنَّ تكرار الفكرة، وإن كانت زائفة، مرةً بعد مرة، يجعلها مألوفة، والمألوف يتحول إلى حقيقة لدى المتلقي، ويُسمى هذا في علم النفس «تأثير وهم الحقيقة». وعلى الخطيب أن يركز على شعارات وكلمات مثل الشرف والعدالة والتضحية، حتى وإن لم يكن يُؤمن بها.
وفي السياق ذاته، عند كارنيجي، اعتُمد في هيكلة الخطبة أن يخطف الخطيب الانتباه، وأن تكون لغة الجسد متناسقة، وأن يروي قصةً لدعم الخطبة أو تجربةً حية للخطيب، مع توضيح النقطة الأساسية من الخطبة والفائدة منها، وشرح كيف يمكن للمتلقي أن يستفيد من هذه الفكرة في حياته. وعليه أن يختم في آخر الخطبة بكلام يستقر في ذهن الجمهور.
ونلاحظ هنا أن الحداثيين لم يعتمدوا المنطق والفضيلة والشرف، بينما اعتمد عليها القدماء في عهد اليونان والعرب الجاهليين وعصر الإسلام. وحتى في المجتمعات العربية، نرى أن الذين يحلون المنازعات القبلية والخطباء في المساجد عليهم أن يتحلوا بفضائل وخصال مثل الفضيلة والشرف والحكمة، حتى يستطيعوا التأثير في المتلقين والمتنازعين.
وهنا تتضح المفارقة بين التجربتين؛ فقد اعتمد القدماء على الفضائل، بينما اعتمد الحداثيون على الطرق والأساليب، حتى وإن كان صاحبها يكذب. وهذا ما يحدث في إعلامنا اليوم والدعاية الإعلامية (البروباغاندا)، من ضخ للمعلومات الكاذبة، معتمدين على طرق تقوم على إثارة الغرائز والانفعالات، وما من شأنه إثارة العواطف والعزف على الوتر الحساس لخدمة أغراض غير نبيلة، وتكرار الكذب حتى يصبح مألوفًا، والمألوف عادةً ما يؤمن به العوام وينساقون وراءه.
