مرتضى بن حسن بن علي
لم تتقدم البشرية يومًا لأنها امتلكت الحقيقة النهائية، بل لأنها امتلكت شجاعة الشك فيما اعتقدت أنه حقيقة. فالمعرفة الإنسانية ليست بناءً مكتملًا، وإنما رحلة متواصلة من الاكتشاف والمراجعة والتصحيح. وما كان يُعد حقيقة علمية راسخة في عصر، قد يُصبح معرفة ناقصة أو تصورًا متجاوزًا في عصر آخر. ومن هنا تأتي الفكرة المنسجمة مع فلسفة العالم الكبير ألبرت أينشتاين، والتي يمكن تلخيصها بالقول إن علم الأمس قد يصبح جهلًا اليوم، وإن معارفنا الراهنة ستخضع بدورها للمراجعة غدًا.
لم يكن المقصود التقليل من قيمة الإنجازات العلمية السابقة، وإنما التأكيد أن العقل الذي يتوقف عن التساؤل يبدأ بالتراجع، وأن أخطر أنواع الجهل ليس غياب المعرفة، بل الاعتقاد بأننا نعرف كل شيء.
لقد تقدمت الحضارات حين تحررت عقولها من أسر المسلمات غير القابلة للنقاش، وحين أصبح السؤال فضيلة، والبحث منهجًا، ومراجعة الأخطاء علامة قوة لا اعترافًا بالهزيمة. وفي عصرنا الراهن، لم تعد المعرفة تتغير عبر أجيال متباعدة، بل أصبحت بعض مجالاتها تتطور خلال سنوات قليلة. فالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الرقمي تُعيد تشكيل أنماط الإنتاج والعمل والتعليم، وتفرض على الإنسان مراجعة مستمرة لما تعلمه.
وهنا تبرز رؤية المفكر الأمريكي ألفين توفلر، الذي ارتبط اسمه بفكرة أن أمية القرن الحادي والعشرين لن تقتصر على العجز عن القراءة والكتابة، بل ستشمل العجز عن التعلم، والتخلي عن المعارف التي تجاوزها الزمن، ثم إعادة التعلم من جديد.
إنها ثورة في مفهوم المعرفة ذاته؛ فالمتعلم الحقيقي ليس من يجمع أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يمتلك القدرة على نقدها وتحديثها وتوظيفها. وقد تتحول الشهادة الجامعية، مهما بلغت قيمتها، إلى مجرد وثيقة تاريخية إذا توقف صاحبها عن تطوير معارفه ومهاراته.
ولكن أين نقف نحن العرب والمسلمين من هذه التحولات؟
هنا تبرز مفارقة حضارية تستحق التأمل. فأول كلمة نزل بها الوحي الإسلامي كانت كلمة: «اقرأ»، وهي كلمة كان يفترض أن تجعل القراءة والتفكير والبحث عن المعرفة ركائز أصيلة في بناء الإنسان العربي والمسلم والمجتمع. غير أن قطاعات واسعة من مجتمعاتنا تعاني ضعفاً في ثقافة القراءة الحرة، ومحدودية الإنتاج المعرفي المؤثر، وهيمنة الحفظ والتلقين على حساب التحليل والإبداع.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أنَّ أمة بدأت رسالتها بالأمر بالقراءة، أصبحت تواجه السؤال المحرج: لماذا لم تتحول القراءة إلى ممارسة يومية راسخة في حياتنا؟
وليس المقصود بالقراءة مجرد تصفح الكتب أو حفظ النصوص التي نرددها بمناسبة وغير مناسبة، وإنما معناها الحضاري الأشمل: قراءة الكون والطبيعة والتاريخ والمجتمع، وفهم قوانين التغيير، واستخلاص الدروس من تجارب الأمم، وتحويل المعرفة إلى اكتشافات ومؤسسات ومنتجات وحلول لمشكلات الإنسان.
لقد فهم علماء الحضارة الإسلامية في مراحل ازدهارها جانبًا مهمًا من هذه الرسالة. فلم يكتفِ الخوارزمي وابن الهيثم والرازي وابن رشد وابن سينا وغيرهم، بنقل المعارف السابقة، بل أسهموا في تطويرها ونقدها وإضافة معارف جديدة إليها. ولم يروا في الاستفادة من علوم الحضارات الأخرى انتقاصًا من هويتهم، بل وسيلة لإثرائها.
فكيف انتقلنا، في جوانب من واقعنا، من ثقافة السؤال والاكتشاف إلى ثقافة الإجابات الجاهزة؟ وكيف أصبح الاختلاف الفكري مصدر قلق لدى البعض، بدلًا من اعتباره فرصة لتوسيع آفاق المعرفة؟
إن جزءًا من المشكلة يكمن في أن مؤسسات تعليمية واجتماعية رئيسية عديدة لا تزال تكافئ الطالب على قدرته على استرجاع المعلومات أكثر مما تكافئه على تحليلها ومُناقشتها؛ فنحن نعلّم أبناءنا أحيانًا ماذا يفكرون، بدلًا من أن نعلمهم كيف يفكرون.
والنتيجة أن بعض المتعلمين يخشون الوقوع في الخطأ أكثر مما يتحمسون لاكتشاف الجديد، بينما تقوم النهضة العلمية أساسًا على التجربة والاحتمال والتصحيح المستمر.
ولا يمكن معالجة هذا الخلل بمجرد الدعوة إلى زيادة عدد الكتب المقروءة، على أهمية ذلك، بل بإعادة بناء علاقتنا بالمعرفة منذ الطفولة، وتطوير مناهج التعليم، وتشجيع البحث العلمي، وحماية حرية التساؤل المسؤول، وربط الجامعات بمشكلات المجتمع والاقتصاد.
كما ينبغي أن نتجاوز الاعتقاد بأن امتلاك التكنولوجيا يعني امتلاك المعرفة. فشراء الأجهزة الحديثة واستيراد الحلول الجاهزة لا يصنعان نهضة مستدامة ما لم نمتلك العقول والمؤسسات القادرة على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها.
إن الفارق الحقيقي بين الأمم المتقدمة والمتأخرة ليس في حجم ما تستهلكه من معلومات، وإنما في قدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية وحضارية. فالأمم التي تنتج المعرفة تشارك في صياغة المستقبل، بينما تظل الأمم التي تكتفي باستهلاكها أكثر اعتمادًا على الآخرين.
ولا يعني ذلك التنكر لتراثنا أو هويتنا، بل التعامل معهما باعتبارهما مصدر إلهام وانطلاق، لا أسوارًا تمنع التفكير؛ فالتراث العظيم لا يخشى المراجعة، والحضارة الواثقة من نفسها لا تخاف الحوار مع الحضارات الأخرى.
إننا بحاجة إلى مصالحة تاريخية بين الإيمان والعقل، وبين الأصالة والتجديد، وبين احترام الماضي وامتلاك الشجاعة لتجاوزه عندما تقتضي المعرفة ذلك.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كم كتابًا نقرأ؟ بل: ماذا نفعل بما نقرأ؟ وهل نربي أجيالًا قادرة على طرح الأسئلة التي لم نجرؤ نحن على طرحها؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس أن تتأخر في امتلاك أدوات المستقبل، بل أن تفقد الرغبة في فهمه وصناعته. لقد بدأت رسالتنا الحضارية بكلمة "اقرأ"، لكن استعادة مكانتنا لن تتحقق بترديد هذه الكلمة والاعتزاز بها وحدهما، وإنما بتحويلها إلى ثقافة تعليمية وعلمية واجتماعية راسخة؛ فالأمم لا تنهض بما تحفظه من أمجاد.. الأمم لا تنهض بما تحفظه عن ماضيها؛ بل بما تنتجه عقول أبنائها من معرفة جديدة. وإذا كانت «اقرأ» هي عن الكلمة التي افتتحت بها رسالتنا، فإنَّ السؤال الذي سيحكم على مستقبلنا هو: هل امتلكنا الشجاعة لنقرأ ونفكر ونتعلم من جديد؟
