فوزي عمار
في خضم الحديث عن معادلةٍ للنهوض للأمم يطلّ اسمٌ من أمريكا اللاتينية ليذكّرنا بأن القيادة ليست شهادةً من هارفارد ولا مدرسة لندن للاقتصاد. إنها إرادةٌ وطنية تُوظّف العلم حيث ينفع، وتؤمن بالأمة حيث تكون. ذلك هو لولا دا سيلفا، الرجل الذي استلم البرازيل مثقلةً بالديون، فإذا به يعيدها إلى خريطة الاقتصاد العالمي واثقةً بعد أن انتشل أكثر من 30 مليون برازيلي إلى الطبقة الوسطى، وأعاد إطلاق برامج الدعم الاجتماعي التي غيّرت وجه الفقر في بلاده.
لم يكن لولا رجلًا درّسته مدارس الإدارة الكبرى؛ بل ابنًا لعاملٍ في الزراعة، بدأ حياته عاملًا معدنيا، وصعد من قلب النقابات. لكنه أدرك أن العلم ليس حكرًا على أحد، وأن النجاح لا يُستورد بل يُبنى على فهم البيئة المحلية. عاد إلى الرئاسة عام 2023 بعد سنواتٍ من الأزمات، ليجد نفسه أمام جوعٍ يطال 33 مليون برازيلي فتعهّد بأن يكون القضاء على الجوع الالتزام الأكثر إلحاحًا.
إنها قيادةٌ تعرف وتُبحر بسفينتها نحو الشاطئ الذي ينفع الناس.
وليست البرازيل وحدها في هذا الميدان. ففي ماليزيا، قاد مهاتير محمد بلاده من اقتصادٍ زراعيٍّ بسيط إلى مصاف الدول الصناعية، بنموٍّ تجاوز 8% في التسعينيات، وبدعم لصناعة وطنية وبناء أبراج بتروناس التي صارت رمزًا للنهضة. وفي تركيا حوّل أردوغان اقتصادًا كان حجمه 238 مليار دولار عام 2002 إلى 1.5 تريليون دولار ورفع دخل الفرد من 3,608 دولارات إلى ما يقارب 17 ألف دولار في مسارٍ من الاستقرار والثقة. هؤلاء جميعًا لم يكونوا خبراء بالمعنى التقليدي، بل كانوا أصحاب رؤيةٍ وطنية.
فمن أين لنا بلولا يحيي ليبيا من ركامها؟ ليبيا اليوم تعيش اختبارًا مزدوجًا: صراعًا سياسيًا يُضعف مؤسساتها، وأزمةً اقتصاديةً تُهدد استقرار الدينار. المصرف المركزي نفسه صار ساحةً للتجاذبات لا مؤسسةً سياديةً محايدة. ورقابة ومحاسبة متكلسة مزمنة تحرس الفساد وتنشره في تقارير لا يقرأها أحد وتهتم بالصرف على مسابقات أجمل القطط.
ليبيا التي تملك من الثروة ما يكفي لإعادة البناء، تفتقد إلى قيادةٍ وطنيةٍ تُوظّف هذا العلم وتؤمن بهذا الشعب وتضع مصلحة الأمة فوق كل الحسابات الضيقة.
لولا دا سيلفا لم يكن معجزةً؛ بل كان إنسانًا وطنيًا آمن بأمته فأنقذها.
