بقلم: د. جمالات عبد الرحيم
لم تكن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية، يومي 1 و2 نوفمبر 2026، زيارة عادية، بل كانت زيارة دولة تاريخية بكل المقاييس.
فهي أول زيارة لسلطان عُماني إلى الصين منذ 48 عاماً، أي منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 25 مايو 1978، كما أنها أول زيارة لجلالته إلى الصين منذ توليه مقاليد الحكم في عام 2020.
وجاءت الزيارة تلبية لدعوة كريمة من فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث غادر جلالة السلطان مسقط صباح الأحد، الأول من نوفمبر.
وكان الاستقبال الرسمي بما يليق بمكانة جلالة السلطان المعظم ومكانة سلطنة عُمان؛ إذ كان في مقدمة مستقبليه بمطار بكين الدولي معالي بان قونغ شنغ، محافظ بنك الشعب الصيني، إلى جانب السفير العُماني لدى الصين.
وفي صباح الاثنين، 2 نوفمبر، أقام الرئيس شي جين بينغ مراسم استقبال رسمية مهيبة لجلالة السلطان في قاعة الشعب الكبرى، تخللتها طلقات المدفعية واستعراض حرس الشرف، أعقبتها مأدبة غداء رسمية على شرف جلالته، ومحادثات ثنائية، ولقاء مع رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ.
علاقات تاريخية وحضارية عريقة
ترتبط سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية بعلاقات تاريخية وحضارية ضاربة في القدم، تعود جذورها إلى أكثر من 1200 عام، ومن أبرز شواهدها:
كان التجار العُمانيون من أوائل التجار العرب الذين وصلوا إلى ميناء كانتون الصيني في القرن الثامن الميلادي.
أبحرت السفن العُمانية من صحار وصور محمّلة باللبان العُماني إلى الموانئ الصينية، وعادت محمّلة بالحرير والبضائع الصينية.
تناولت بعض الروايات والمصادر التاريخية والرحلات البحرية صلات عُمان بالصين، وما ارتبط بها من حركة التجارة والملاحة البحرية.
أعادت سلطنة عُمان في ثمانينيات القرن الماضي بناء سفينة «صحار» الشراعية، وأبحرت بها من مسقط إلى كانتون، في رحلة استحضرت مسارات الملاحة التجارية القديمة.
شهدت العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين تطوراً ملحوظاً، من خلال الاهتمام بتعليم اللغتين العربية والصينية، وتبادل المنح والبعثات الطلابية.
ما الفوائد التي ستعود على البلدين من الزيارة؟
لم تكن الزيارة مجرد لقاءات ومراسم رسمية، بل حملت معها آفاقاً واسعة للتعاون الاقتصادي والاستثماري والتقني بين البلدين، وشملت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مجالات متعددة، من أبرزها:
الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر: تعزيز التعاون في مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ولا سيما في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم.
الذكاء الاصطناعي والتعليم التقني: تطوير التعاون في التقنيات الحديثة والابتكار والتأهيل العلمي والمهني.
التعاون المالي والمصرفي: تعزيز التبادل المالي وتسهيل المعاملات التجارية، بما في ذلك التعاون في مجال مبادلة العملات بين الريال العُماني واليوان الصيني.
الموانئ والخدمات اللوجستية: تعزيز الاستثمارات والتعاون في الموانئ والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية في الدقم وصحار وصلالة.
نظام بيدو للملاحة: الاستفادة من منظومة الملاحة الفضائية الصينية في تطوير تطبيقات الملاحة والخدمات البحرية، بما يخدم قطاعات النقل والصيد والملاحة.
كما شهدت الزيارة عقد منتدى الأعمال العُماني الصيني، بمشاركة جهاز الاستثمار العُماني، لتعزيز الشراكات الاقتصادية واستكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة في البلدين.
ما علاقة الزيارة بمبادرة الحزام والطريق؟
نعم، ترتبط الزيارة بصورة مباشرة بمبادرة الحزام والطريق الصينية، إذ أكد البيان المشترك أهمية تعزيز الربط بين رؤية عُمان 2040 ومبادرة الحزام والطريق.
وماذا يعني ذلك؟
يعني أن الموانئ العُمانية، وفي مقدمتها الدقم وصحار وصلالة، يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في حركة التجارة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، وأن تعزز موقع سلطنة عُمان بوصفها بوابة استراتيجية تربط الأسواق الآسيوية بمنطقة الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي.
فالصين تنظر إلى عُمان باعتبارها شريكاً استراتيجياً مهماً في المنطقة، فيما ترى سلطنة عُمان في الصين شريكاً اقتصادياً وتجارياً وحضارياً، يقوم التعاون معه على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
الخلاصة
إن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين تمثل محطة مهمة في مسيرة العلاقات العُمانية الصينية، وتعيد تسليط الضوء على الروابط التاريخية الممتدة بين البلدين، من طريق اللبان والتجارة البحرية القديمة إلى آفاق التعاون في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.
فعُمان لا تبحث عن الضجيج، بل تسعى إلى بناء شراكات راسخة، تستند إلى تاريخ عريق، وتحترم السيادة والمصالح المشتركة، وتتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً.
حفظ الله جلالة السلطان المعظم، وأمدّه بموفور الصحة والعافية، وحفظ سمو السيد ذي يزن بن هيثم ولي العهد الأمين.
