يقود رحلة بمفرده على متن قارب شراعي بين أمواج البحر الأبيض المتوسط

فيصل الحشار.. مغامر عُماني يُسطِّر إنجازًا فريدًا على خطى "أسياد البحار"

 

◄ الحشار يجسد عبقرية الإنسان العُماني الذي يجد في التحدي فرصة للنجاح والتفرُّد

◄ الإرادة والتحدي يمثلان السمة البارزة لفيصل الحشار

◄ الرحلة من السويد إلى تونس لم تخلُ من المغامرة المحسوبة

الرؤية- مدرين المكتومية

يحتل البحر في الذاكرة العُمانية مكانة تتجاوز كونه مصدرًا للرزق؛ إذ يتحول إلى مصدر للتحدي والمغامرة، وقد كان "أسياد البحار" على مر القرون، يمخرون عُباب البحار شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ليستكشفوا ما وراء البحار، ويبنون جسورًا من التواصل الحضاري مع شعوب كان البحر بالنسبة لها مهابة ومجهولًا، إلّا أن الإنسان العُماني بطبيعته التوّاقة للتجربة الجريئة والمغامرة الشجاعة، وظَّف البحر ليكون وسيلته لاستكشاف العالم وترك بصمته الخالدة في كل مكان.

البحر المتوسط (2).jpeg

والبحَّار فيصل الحشار- الذي بدأ قبل نحو أربعة أشهر مغامرة استثنائية من شواطئ السويد في قلب القارة الأوروبية- يسعى لاستعادة الأمجاد البحرية للعُمانيين، مُتسلِّحًا بالشغف ومرتكزًا على إرث بحري ضارب في عمق التاريخ، ورغبة حثيثة لاستكشاف لُجى البحر الأبيض المتوسط بقلبٍ جسور لا يأبه الأمواج العاتية ولا الأنواء القاسية.

وبعد سنوات ممتدة من العمل في القطاعين الحكومي والخاص، نجح الحشار في أن يتخطى فكرة التقاعد باعتباره محطة أخيرة تستقر عندها الأحلام أو تنتهي على أرضها الطموحات، لكنه رأى طريقًا آخر قلّ من يسلكه، إنها فرصة للانطلاق نحو تجربة جديدة طالما حملت في طيَّاتها معنى خاصًا للحياة. اختار الحشار البحر، بما ينطوي عليه من اتساع وغموض وتحديات، ليبدأ رحلة على متن قارب شراعي، يتنقل به بين السواحل والمدن والموانئ، ويختبر قدرته على التعامل مع الطبيعة وتقلباتها، في مغامرة لا يكفي لخوضها حب الاكتشاف وحده، وإنما تحتاج إلى الصبر والخبرة والاستعداد والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

فيصل الحشار مغامر عُماني (5).jpeg

في هذه التجربة، تتحول المسافات بين الموانئ إلى اختبار متجدد للإرادة، لا سيما وأن الإبحار الشراعي يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع الرياح والأمواج، مُتحمِّلًا مشاق الرحلة، لكنه يمنحه فرصة لفهم البحر بعيدًا عن صورة الرحلات السياحية الهادئة على متن اليخوت والسفن الفاخرة ذات الخمس نجوم. هنا، لا تعمل الطبيعة وفق رغبة البحار، ولا تمنحه ضمانات بالوصول في الوقت المحدد؛ إذ تفرض عليه أن يقرأ اتجاهات الرياح، ويراقب أحوال الطقس، ويفهم حركة المياه، ويوازن باستمرار بين الرغبة في مواصلة الرحلة ومتطلبات السلامة.

وتكتسب مغامرة الحشار بُعدًا أعمق حين تُقرأ في سياق التاريخ البحري العُماني؛ فأجدادنا أسياد البحار الذي قادوا مراكبهم وسفنهم من سواحل عُمان نحو موانئ شرق أفريقيا تارة والهند تارة أخرى، ووصلوا إلى ممباسا في كينيا وكاليكوت بالهند، وغيرها من المحطات التجارية، لم يكونوا مجرد تجار يبحثون عن أسواق جديدة؛ بل بحارة مهرة أسهموا في بناء جسور اقتصادية وثقافية وحضارية عبر البحار. وقد استندت رحلاتهم إلى خبرة متراكمة في الملاحة ومعرفة النجوم والرياح والتيارات البحرية، وإلى شجاعة مكّنتهم من خوض مسارات لم تكن تخلو من المخاطر.

خريطة.jpeg

ومن هذا الإرث يستلهم الحشار رحلته، حيث يقول إن اختلاف الوسائل وتطور أدوات الملاحة، ساعداه على خوض غمار هذه الرحلة التي لا تخلو من مخاطرة، مشيرًا إلى أن البحر الذي واجه الأجداد تحدياته بسفنهم الشراعية ومعارفهم الفلكية، لا يزال يفرض على البحار المعاصر احترام قوانينه، والاستعداد لمفاجآته، والقدرة على التكيف مع ظروفه المتغيرة. ويضيف في حديثه عبر الهاتف مع "الرؤية": "بين التجربتين، تتجلى إرادة الإنسان في تجاوز الحدود المألوفة، وتحويل التحديات إلى فرص لاكتشاف العالم والذات".

السويد.. من هنا تنطلق المغامرة

البداية كانت مع اختيار الحشار قاربًا شراعيًا سويدي الصنع من طراز «مالو» (MALO)، يبلغ طوله نحو 42 قدمًا؛ أي ما يقارب 13 مترًا، لينطلق به من مدينة فاسترفيك الواقعة على الساحل الشرقي للسويد. ونجح الحشار في تجهيز القارب بما يتناسب مع متطلبات الإبحار لمسافات طويلة، من خلال إضافة جهاز لتحلية مياه البحر بهدف توفير المياه العذبة، إلى جانب نظام لتكييف الهواء، لمساعدته على التعامل مع الظروف المناخية، ولا سيما عند دخول البحر الأبيض المتوسط خلال أشهر الصيف.

وعلى جانب آخر، أجرى استعدادات فنية؛ إذ خضع القارب لتعديلات وتجهيزات إضافية في مدينة ساوثهامبتون البريطانية، ثم في مدينة لاغوس البرتغالية، قبل أن تبدأ الرحلة الفعلية في أواخر يونيو من العام الماضي، لتدخل المغامرة مرحلة تتطلب استعدادًا فنيًا وبدنيًا وذهنيًا، إلى جانب القدرة على التعامل مع المتغيرات البحرية.

وعندما وصل سواحل إسبانيا، استعان بطاقم بحري مستأجر لعبور خليج بسكاي، المعروف باضطراب أحواله البحرية وقوة أمواجه. ويؤكد الحشار أن هذا القرار "كان جزءًا من حسابات المغامرة نفسها؛ لأن الشجاعة في البحر لا تعني الإقدام على كل مخاطرة، وإنما معرفة حدود الإمكانات والاستعانة بالخبرة حين تقتضي الظروف ذلك".

للتفريغ.jpeg

وبعد وصوله إلى مدينة لا كورونيا الإسبانية، واصل الحشار رحلته متنقلًا بين السواحل الإسبانية والبرتغالية، قبل أن يترك قاربه في مضيق جبل طارق خلال فصل الشتاء، ويعود إليه في أبريل من العام الجاري لاستكمال رحلته. ومن هناك، اتجه نحو برشلونة؛ حيث أمضى قرابة شهرين، قبل أن يواصل الإبحار باتجاه الريفييرا الفرنسية، ثم بورتوفينو الإيطالية، وجزيرتي كورسيكا وسردينيا، وصولًا إلى تونس.

ويقول الحشار مُستعيدًا شريطًا من المغامرة: "مع كل محطة، شعرت باتساع التجربة لتتجاوز عبور المسافات البحرية؛ فقد أتاحت لي الرحلة التعرف على المدن الساحلية وثقافاتها وأنماط الحياة فيها، وفهم العلاقة التي ربطت تلك المدن بالبحر عبر التاريخ".

الإبحار منفردًا!

تتضاعف تحديات الرحلة عندما يتولى البحار إدارة قاربه منفردًا؛ فهو المسؤول عن القيادة ومراقبة أجهزة الملاحة، ومتابعة الطقس، وتحديد المسار، وفحص التجهيزات، وتنظيم أوقات الراحة، وكل قرار- حسبما يقول الحشار- مهما بدا صغيرًا، قد تكون له انعكاسات مباشرة على سلامة الرحلة، خصوصًا عندما تتغير الظروف البحرية على نحو مفاجئ.

ولذلك، أكد الحشار حرصه على ألا تتجاوز مدة الإبحار اليومية ما بين 12 إلى 14 ساعة، ووضح أنه كان في العادة ينطلق مع لحظات الفجر الأولى، سعيًا إلى الوصول إلى وجهته قبل حلول الظلام. ويضيف في هذا السياق: "بعض المسارات في البحر الأبيض المتوسط فرضت عليّ مستوى إضافيًا من اليقظة، خاصة في المناطق التي تشهد حركة كثيفة للسفن التجارية، والتي تبدو عملاقة للغاية في مقارنة مع قارب شراعي صغير الحجم".

القارب (2).jpeg

ومن بين هذه المسارات الطريق البحري الممتد من مدينة كالياري جنوب جزيرة سردينيا الإيطالية باتجاه السواحل التونسية، مرورًا بقناة سردينيا؛ حيث تتقاطع حركة القوارب مع مسارات الملاحة التجارية. وفي مثل هذه المناطق، تصبح متابعة أجهزة التتبع والانتباه إلى اتجاهات السفن الكبيرة وسرعاتها وأحجامها ضرورة أساسية، خصوصًا أن القارب الشراعي لا يمتلك دائمًا قدرة المناورة التي تتمتع بها السفن العملاقة.

فيصل الحشار مغامر عُماني (7).jpeg

وتكشف هذه التفاصيل جانبًا مهمًا من شخصية الحشار كمغامر بحري؛ إذ يبدو جليًا أن الإقدام لا ينفصل عن الانضباط البحري، وحُب الاستكشاف لا يعني الاستهانة بالمخاطر، مؤكدًا أن الرحلة الناجحة "تتطلب مزيجًا من الجرأة والحذر، والقدرة على التراجع أو تغيير المسار متى استدعت الظروف ذلك".

لكن خلف الصورة التي ترسمها الأشرعة وهي تشق المياه ويشرحها الحشار، ثمة تفاصيل فنية وإدارية ولوجستية لا بُد من تسليط الضوء عليها، وهي لا تقل أهمية عن مهارات الإبحار؛ فقد تطلبت رحلة الحشار- حسبما أوضح لـ"الرؤية"- استكمال إجراءات التسجيل والتأمين الخاصة بالإبحار الدولي، وهو ما دفعه إلى تسجيل قاربه في بولندا، مستفيدًا من سهولة الإجراءات والمزايا التي وجدها في نظام التسجيل، إلى جانب إمكان الحصول على تغطية تأمينية أوروبية تتناسب مع طبيعة رحلته خارج منطقة الخليج.

وتؤكد هذه الجوانب أن المغامرات البحرية الطويلة لا تنحصر فقط في عملية الإبحار، وإنما تشمل إجراءات ومراحل متعددة، تتضمن التخطيط الدقيق وتجهيز القارب وتوفير احتياجاته، والتأكد من ملاءمة التأمين والتسجيل للمناطق التي سيبحر فيها.

وتقدم تجربة الحشار صورة أخرى للمغامر العُماني الذي لم يكن يومًا مندفعًا عاطفيًا نحو البحر، لكنه تحلّى بالوعي المنطقي والتفكير العقلاني، لذلك لم ترتبط أيٍّ من رحلات أسياد البحار العُمانيين على مر التاريخ بحوادث مأساوية إلّا ما ندر.

آفاق جديدة

ويقول الحشار إن رحلته بين السويد وتونس ليست الحكاية كلها، لكنها تمثل بالنسبة له الفصل الأول في رواية ممتدة؛ إذ يطمح لاستكمال الرحلة خلال الربيع أو الصيف المقبلين، باتجاه وجهات أوروبية أخرى، من بينها صقلية والجبل الأسود وكرواتيا واليونان ومالطا، في مسعى حثيث لمواصلة استكشاف البحر الأبيض المتوسط، والتعرف على تاريخ مدنه الساحلية وثقافاتها، ومراكمة الخبرة التي تمنح كل مرحلة من الرحلة خصوصيتها، والتي وعد "الرؤية" بنشر تفاصيلها في مرات مقبلة.


فيصل الحشار مغامر عُماني (4).jpeg


فيصل الحشار مغامر عُماني (1).jpeg

القارب (3).jpeg

القارب (1).jpeg
البحر المتوسط (9).jpeg
البحر المتوسط (10).jpeg

البحر المتوسط (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z