فقط لأنك مُضيء في الظُلمة!

 

أنيسة الهوتية

قال تعالى على لسان قوم لوط عليه السلام: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: 56).. فلنتأمل الآية. لم يقولوا أخرجوهم لأنهم اعتدوا علينا، أو سلبوا حقوقنا، عاثوا فساداً، بل لأنهم أناس يتطهرون!

وبدلا من أن يتركوا الفاحشة ويهتدوا، أرادوا إبعاد من يُذكّرهم بما لا يريدون مواجهته. لم يستطيعوا جهاد أنفسهم وإخراجها من الطين الذي استلذته، بل أخرجوا الطاهر من بينهم.

هنا تكمن المُفارقة: أحيانًا لا يكرهك الإنسان لأنك آذيته، بل لأن وجودك المشرق يزعج ظلام نفسه، وطهارتك تزعج قذارته. وينزعج من مجرد التفكير بأنك أنقى وأفضل وتقاوم رغبات نفسك.

ويراك أنقى، وأجمل، وأكثر ثقة، ومتمسكا بمبادئك، فيتحول إعجابه الذي لا يعترف به إلى غيرة، وغيرته إلى كراهية، ثم يبدأ بإقناع الآخرين بأنَّ فيك عيبًا وإن لم يكن كذلك ولكنهم يحولونه.

ونستشهد بقصة يوسف عليه السلام. ماذا فعل بإخوته حتى دبّروا له ما دبّروا؟ لم يفعل شيئاً. لكنهم غاروا من محبة أبيهم يعقوب له ولأخيه، ورأوا في تلك المحبة منافسة لهم، فقالوا: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8].

كان يوسف طفلًا، ومع ذلك لم تمنع براءته إخوته من الكيد له. لم يعالجوا غيرتهم، بل قرروا قتل يوسف ليحفظوا قلوبهم من الكَي. وهذا ما يفعله الحسد حين يستقر في النفس؛ بدلًا من أن يتقبل ويصلح نفسه، يحاول أن ينتزع من الآخر الشيء الذي لا يستطيع امتلاكه.

وتُروى في كتب التراجم حكاية الجرباء بنت قسامة، التي ارتبط لقبها في بعض الروايات بشدة جمالها، وبأنَّ النساء كُنّ يتجنبن الوقوف بجانبها؛ فأعطينها اسمًا منفّرًا بدلًا من أن يعترفن بما يُميزها.

وأيضًا حكاية متداولة لامرأة قاومت جنديًا أثناء اعتداء الجنود على قريتها، وقطعت رأسه وخرجت به على بقية النساء؛ فانقلبت عليها النساء وقتلنها بدافع الغيرة والخوف من أن تبدو أشجع منهن أمام رجالهم حين يعودون من الحرب.

والحكاية تطرح سؤالًا موجعًا: كيف يمكن أن يتحول نجاح إنسان في النجاة والمقاومة إلى سبب للاغتيال ممن يُفترض أنهن من جنسها ويتفهمن وضعها ويقدرنها؟

والأشد إيلامًا أنَّ الكراهية لا تبقى دائمًا في قلب صاحبها؛ بل هي مثل السم المدسوس في قلب شخص، ثم ينفثها لثانٍ، ويضيف إليها من ظنونه ويجعلها أكثر إقناعًا. فينقلها الثاني إلى ثالث، ثم تتسع الدائرة، حتى يصبح هناك عشرات أو مئات يكرهون إنسانًا لم يؤذِهم، ولم تجمعه بهم تجربة سيئة أصلًا. ولكن كل ما يرونه الصورة التي رسمها شخص آخر مريض نفسياً يعاني دفن نفسه في ظلام الغيرة والحسد والحقد ولا يتحمل نور هذا الشخص النقي.

وهكذا قد يجد الإنسان المسالك الطيب نفسه محاطًا بالكراهية، لا بسبب ما فعله، بل بسبب ما قيل عنه، أو لأنه يختلف عنهم، أو لأنه يملك شيئًا حرّك في نفوسهم غيرة لم يريدوا الاعتراف بها.

وهذا ما تكشفه قصتا لوط ويوسف: أن اجتماع الناس على شخص لا يعني أنه شخص سيئ ويستحق الكراهية والمقاطعة؛ بل لأنه يتميز عنهم بأطوار ومهما فعلوا لا يستطيعون الوصول إلى مستوى هذا الشخص من الإشراق والنور والطهارة والنقاء، وأن الجماعة اتفقت أن تتفق كما اتفق آل لوط وإخوة يوسف.

الأكثر قراءة

z