مُزنة المسافر
هل عادت المياه إلى مجاريها في هذا الصباح الغريب؟ غيوم وسُحب مُتراقصة تظهر من خلال النافذة، ينظر إليها الضفدع كمال وهو يفكر في صوفيا، يتخيل سحابة سابحة تُشبه وجه العصفورة صوفيا التي يميل لها كثيرًا، إنه يود أن يكون لها صورة فوتوغرافية يحتفظ بها داخل إطار أنيق، سيعلقه بجانب اللوحات الكبيرة على ذاك الجدار خلف طاولة الاستقبال.
سيحرك مكان القمر الصغير، ويبدل مكان النجوم الشعشاعة البراقة على الحائط، ليضع في منتصف كل الأشياء صورة فوتوغرافية لصوفيا، ربما بمكياج بسيط، يناسب وجهها البيضاوي، وهل ستبتسم صوفيا في الصورة من أجل فروج؟ أم من أجل أن يحب صوتها النزلاء حين تغني أغنياتها الصباحية الجميلة.
إنها تزقزق، تغني برِقةٍ كبيرةٍ، عليها أن تكون في قوافيها وحروفها دقيقة، تنزل من على سلالم الموسيقى بحذر، وهل هي تفكر الآن في فروج؟
الهدوء يعم اللوكندة اليوم؛ فقد عاد البط شفيق إلى عومه وسط حوض السمك، تلك الأسماك المنتفخة والمتيقظة لفهم حريته وقدرته على العوم بسرعة والسباحة ضد التيار والتي قد شعرت بالغيرة من البط شفيق، لكنه يكمل يومه وهو يشعر أن الماء قد صار باردًا للغاية، إنه ربما فصل الشتاء قد جاء ببساطة.
بينما في الأنابيب الضيقة شناوي وأبو سريع يشعران بالملل من جديد، لكنهما ينشغلان بمفاهيم الزمن، ويلومانه على جهلهما المستمر بمعنى الحياة والعمل، وهل أراد كل واحد منهما أن يدخل حفلة تنكرية؟ لكن كل النزلاء قد كانوا من البشر، وكانت أرجلهم وأجسادهم أكبر بكثير من فئران صغيرة، تريد في دواخلها أن تحكم العالم، وأن تتردد على حفلات أعياد الميلاد التي تخص بعض البشر.
في زاوية أخرى ينظر الخواجة يوليوس لصور متكررة لليونان، وبطاقات بريد عتيقة كانت فيها رسائل لوالدته وجدته من اليونان، كُتبت حروف الرسائل بالأبجدية اليونانية، لكنه رد عليها شفهيًا بلهجته الهجينة التي تعلمها هنا في اللوكندة.
الخواجة يوليوس: ارجع يا يوليوس بالزمن شوية، وقول إيه الي عجبك في اللوكندة دي، عشان تعيش فيها عمرك كله.
أعجبك الكثير يا خواجة، أعجبتك أفكار الضفادع الفلسفية كما هو الضفدع كمال، وتعاطفت مع السلحفاة سرحان الذي حرس صندوق الشكاوى فترة طويلة، وشعرت أن الحياة تدور بشكل جميل هنا والطقس لطيف، وكانت جنينة اللوكندة تسليك بجانب بعض النزلاء المؤدبين.
وشعرت يا خواجة أن الطموح مطلوب، وجلبت أرنبًا كان له باع طويل في عالم العروض، وأردت أن تنشر الفرحة، وأن تصنع البهجة في قلوب الكثير، كم كنت طيبًا يا يوليوس.
ولكنك الآن تجلس على كرسي يروح بك للأمام والخلف، فقط وسط الذكريات الكثيرة، تتذكر بعضها، وتنسى أخرى، بسُترة برتقالية تستقبل فصل الشتاء، وترغب رغبة كبيرة في أن يكون هذا الشتاء يشبه شتاء اليونان خصوصًا على شاطئ جزيرة عشت فيها، واقتربت من بحرها، وألهمتك الزوارق الصغيرة أن تبحر نحو اللوكندة، وأحلامها وآمالها الطويلة وأفكارها الكبيرة حول الحياة.
الضفدع كمال يضغط على جرس الاستقبال، ويصدح باسم العصفورة صوفيا بأن تظهر أمامه الآن، إنه يطالب بوجودها على طاولة الاستقبال بعيدًا عن ذاك القفص الأبيض الصغير، لن تُحبس هناك، لن تُحبس مواهبها ورومانسيتها داخل قفص لا يمكن أن تخرج منه إلا في أيام معينة.
عطست صوفيا عطسة غريبة.
صوفيا: آتشوه!
كمال: إنتي كويسة يا صوفيا؟
صوفيا: آه.. بس لازم تجيب لي أمبريلا يا فروج!
أمبريلا أو مظلة تحتمي بها من أخطار اللوكندة، ودنيا الأنابيب المليئة بالجنون والفئران، وأن يحميها فروج أو الضفدع كمال من النزلاء الوقحين الذين يرغبون في أن تغني صوفيا بصوتها السوبرانو، أغنياتٍ تخص الأوبرا فقط، لكنها يمكن أن تغني أغنية رومانسية له، أغنية تخص اللوكندة، وأغنية تصدح بحبه لها، وربما أغنية أخرى عن ما حصل لأهل اللوكندة منذ أسابيع قليلة ماضية.
النهاية

تصميم الفنان: حميد العوفي
