المعتصم البوسعيدي
تلك «سِكّةٌ» يتدفقُ «الفلجُ» خلالها، فيُلامسُ أديمَ الأرض، وأشجارُ «اللَّمبا» تتنافس في تقديمِ ثِمارِها لأصحابِها والعابرين، وطينٌ يتضوَّعُ مسكًا من طبيعةٍ خضراء، وصوتُ قرآنٍ يُتلى في «المنقوشة» عند مقامِ المُعلّم الشيخ «الشاب» عيسى بن يوسف بن سلطان البوسعيدي، ونخيلٌ باسقاتٌ توَّرث الشموخ جيلًا بعد جيل، ومهارةُ نسّاجٍ في «الكارجة»، مصنع النسيج العُماني التقليدي، وإنسانٌ بدشداشتهِ، أو قميصه وإزاره يحملُ على رأسهِ «القَت أو الزرع» طعامًا للأنعام، وضَجيجُ موسمِ القيظ حيثُ «الرطبُ والفاغورُ، وجنيُ الليمونِ والسَّفرجل»، وتجلياتُ الأعيادِ في بساطتِها وسمتِها العُماني؛ باحِتزامِ الخناجرِ وامتشاقِ السيوف، واعتزازًا ببنادقِ «الصمعةِ والكند»، وشجن «العازي» وأهازيج «الرزحة» عند «القلعة والبيت العود»، ودويّ «مدفع الترحاب» في بلدة لها من اسمها نصيب؛ «الأخضر»، وشأنها من سمد الشأن؛ المكان الرفيع، والمحل المرموق.
في ذلك الزمان، وبُعيد ثلاثة أعوام من بزوغ نهضة عُمان الحديثة، بكى مولود جديد أطلّ على الدنيا، أسماه أبواه «خليفة»، الابن الثاني للوالد محمد بن عزان بن علي بن ناصر البوسعيدي، رحمهم الله أجمعين. فترعرع مع أبناء جيله «الطيبين»، حيث صفاء القلب وبياض الروح، في جو لا يخلو من اللعب والشغب، لكنه اتَّسم بصناعة الرجال؛ فتلقّن «تلقين الصبيان»، وحفظ جزءًا من القرآن، وتفقه في الدين، ولو بالنزر اليسير، ونهل من «طلعة الشمس شرح شمس الأصول»، وردد «الأبجد هوز»، وتعلّم معاني الحياة، حتى إنه لامس حضرة العالم الرباني الشيخ حمود الصوافي- حفظه الله ورعاه- في العامرة «سناو»، ثم جلس على مقاعد حافلة تثير النقع، متجهًا إلى مدرسة حكومية نظامية، هي مدرسة «عزان بن تميم»، في رحلة لم تكتمل مراحلها. فجرب «العسكرية» في الجيش السلطاني العُماني أسبوعًا واحدًا فقط، ثم لاذَ إلى «مدنية» وزارة النقل، موظفًا في عمر مُبكر، فصقلته الوظيفة وصنعت شخصيته، دون أن يُجرب راحة التقاعد.
عاشَ خليفة يتيمًا جُلَّ عمره، فتحمل مسؤولية الكبار، وكان «على قدر أهل العزم تأتي العزائم / وتأتي على قدر الكرام المكارمُ»، ثم ما لبث أن فقد الأخ السند، فازداد حِمله دون تذمر أو تأفف، وكان قرة عين أمه – عافاها الله – التي تيتمت - إن صح القول - بوفاة وحيدها. كما تبقت له أخت غير شقيقة هنا في بلدة الأخضر، وأخت هناك في «الجزيرة الخضراء». وهو الذي لم يتزوج، لكنه كان أبًا لأبناء أخيه، وأخًا كبيرًا لعائلته ومجتمعه، الذي يذكره عند الشدائد باكورة كل عطاء.
لم يكن خليفة إنسانًا معقدًا؛ كان مبتسمًا يحب الفرحَ والمرحَ، وإداريًا محنكًا، عجنتهُ التجاربُ وصقلتهُ المهامُ والمسؤوليات. تمردَ على جيلٍ سبقه في تجربةِ «فريق العروبة»، وحين مضى واندثر، قادَ بضعةَ «شباب». كما تقلَّدَ منصب نائب رئيس فرع نادي المضيبي بسمد الشأن، لكن الحق أبلج؛ لذا عاد إلى موطنه الأصل «فريق الأخضر»، عام ٢٠١٦م، ليس كأحد أعضاء جمعيته العمومية فقط؛ بل ربان سفينة في أطول فترة لرئيس مجلس إدارة للفريق حتى الآن منذ تأسيسه عام ١٩٨٦م، ليصنع اسمه بحروفٍ من ذهب، ويُسطرَ إنجازاتٍ لا يتسع لحصرها مقال ولا مقام.
شكّل فريق الأخضر محطة مهمة في حياة خليفة البوسعيدي؛ عشرة أعوام مليئة بالتحديات والتضحيات والإنجازات، نذكرُ منها أول بطولة كروية على صعيد الفريق الأول؛ بطولة الصداقة التي نظمها فريق التضامن عام ٢٠١٨م، سبقتها بطولة نادي المضيبي للناشئين. وفي سجله فعاليات كبيرة جدًا؛ كمُسابقة الرماية الثامنة على مستوى سلطنة عُمان ودول الخليج العربي، ومناشط العمل الاجتماعيِّ والثقافيِّ التي تميز بها الفريق، علاوة على التفرد العلمي لفعاليات مرصد سمد الشأن الفلكي التابع للفريق، والتي تخطت حدود المحلية إلى العربية والدولية، إضافة إلى ترؤسه لجانًا اجتماعية على صعيد محافظة شمال الشرقية والولاية والنيابة، وكان بحق «سيد القوم» بخدمته لهم في ميدان العمل، لا كرسي المنصب؛ فتراه مغبرًا أشعث تحت أشعة الشمس، شمّر يديه وأطلق ساقيه، حتى تحسبه عاملًا يكدح من ضَنكِ العيش. أما وظيفتهُ فكانت أداةً في حلحلةِ العُقَد، ويدَ العونِ لكُلِّ طالب خدمة، خاصة بعد كُلَّ أنواء مناخية.
وبعيدًا عن صلة القرابة التي تجمعني بخليفة، فقد زاملته في مجلس إدارة فريق الأخضر طوال فترة رئاسته، كنت فيها أمين سر، وعضوًا إداريًا، ومستشارًا. وكان صوته على الهاتفِ جسرًا لفعالياتٍ وأنشطةٍ جديدة، وبياضٌ يداوي الجراح ويخفف الآلام. وكان بارًّا بوالدته، منكبًّا على خدمتها في مرضِها ووهنِها بكُلُّ ما يستطيع، وذلك واجبٌ لا منّة فيه، لكنها صفةٌ تُذكر ويُحمد عليها. كما أنَّ «شبكة معارفه» لا حدود لها، ولم يبخل في ترجمتها إلى خدمة الصالح العام، وكل ذلك كان مقرونًا بتواضع جم رفع من قدرهِ بين الناس.
خليفة لم يخلُ من عيوب بالتأكيد، فتلك صفة البشر، ولقد تناسى في كل حياته «حساب صحته»، وربما دفع فاتورة ذلك برحيلهِ المؤلم، مع التسليم بقضاء الله وقدره. ففي ظهيرةِ يوم السبت، ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ، الموافق ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م، ذاعَ خبرُ الرحيل الأبديِّ للبشوش الكريم، أمير «منتجع الغربية»، كما كان يحلو أن يسميه، وصاحبُ «عيديةِ الرئيس» في إفطارِ صائم بمصلى العيد في شهر رمضان المُبارك، وصانعُ المسابقاتِ وجوائزها القيمةِ والمُضحكةِ على حدٍّ سواء، وناصبُ «الأعلام» في أعيادِ الوطن ومناشط الفريق، والكريمُ «بتم» في كُلِّ مساعدة أو مقترح، وصائدُ الأخبار الفكاهية «اتصل لتعرف». وحتى «سياراته» كانت رهنَ إشارةِ من يحتاج إليها.
فكيفَ أرثيكَ سيَّدي الرَّئيس؟
لم تطلُب مني ذلك، كما كُنتَ تطلُبُ رسالةً، وتصورًا، وتقريرًا، وكلمة. رحلت تاركًا خبرًا قادمًا لست فيه، رُبما لأنَّك أصلُ الخَبر.
رحمك الله، وغفر لك، وأسكنك فسيح جناته.
