غرفة شمال الباطنة.. ما بعد "الأثر"

 

 

 

هند الحمدانية

حضرتُ يوم الثلاثاء المنصرم ملتقى "إنجاز وأثر" الذي نظمه فرع غرفة تجارة وصناعة عُمان بمُحافظة شمال الباطنة، وكنتُ أظنُ أنني ذاهبة إلى أمسية تستعرض حصاد أربعة أعوام؛ أرقام ومبادرات وفعاليات وتكريم لمن أسهموا فيه. وحقيقة أن الغرفة وُفِّقَت في اختيار المسمى الذي يليق بالملتقى "إنجاز وأثر"؛ فالإنجاز والأثر ليسا شيئًا واحدًا، الإنجاز يمكن عدُّه: عدد البرامج واللقاءات والشركات والوفود والاتفاقيات، أمَّا الأثر فهو ما حدث بعدها، شركة توسعت، ومشروع تعثر ثم نهض، مستثمر وجد طريقه، رائد أعمال انطلق للأسواق العالمية.

وخلال الفترة من 2022 إلى 2026 تبدو الأرقام التي استعرضها فرع الغرفة جديرة بالتوقف، فقد نفذ الفرع 202 برنامج ومبادرة اقتصادية، وعمل من خلال 17 لجنة قطاعية تضم 185 عضوًا، وبنى شراكات مع 41 جهة حكومية وخاصة، كما نفذت 147 خطوة وإجراءً ضمن استراتيجية العمل، وارتفع عدد الشركات في المحافظة من 47200 شركة عام 2022 إلى 68064 شركة بنهاية 2025 بنمو بلغ 44%.

ومن تابع تجربة الفرع في السنوات الأربعة الماضية، يلحظ أن دوره أخذ يتجاوز الصورة التقليدية للغرف التجارية، من مؤسسة تقدم الخدمات وتمثل مجتمع الأعمال، إلى طرف حاضر في مناقشة تحديات القطاع الخاص، وفتح قنوات الحوار، واستقطاب الوفود، والترويج للفرص الاستثمارية، وبناء جسور بين أصحاب الأعمال والجهات الحكومية.

ولعل "منتدى صحار للاستثمار" واحدٌ من أبرز الشواهد على هذا التحول؛ ففي نسخته لعام 2026 استقطب مشاركين من أكثر من 30 دولة، وطرح نحو 50 فرصة استثمارية بقيمة إجمالية تقارب 300 مليون ريال عُماني، وشهد في انطلاقه توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم بقيمة تجاوزت 12 مليون ريال.

وفي قلب هذه المرحلة، يحضر اسم المهندس سعيد بن علي العبري رئيس مجلس إدارة فرع الغرفة بمحافظة شمال الباطنة للفترة (2022-2026)؛ بوصفه أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بهذه المرحلة وقادت حراكها، وليس من الإنصاف اختزال عمل مؤسسة كاملة في شخص، كما أنه ليس من الإنصاف تجاهل أثر القيادة حين تترك بصمتها في مسيرة المؤسسة، ولعل هذا ما يلفت في تجربة العبري، ذلك السعي إلى إخراج الغرفة من حدود الدور المعتاد، والاقتراب أكثر من المستثمر وأصحاب الأعمال والجهات الحكومية والأسواق الخارجية، أثر رجل تعامل مع الغرفة كمساحة عمل تتسع كلما اتسعت علاقاتها بالناس والفرص وأصحاب القرار، أرادها أقرب لرواد الأعمال وأجرأ في حمل ملفاتهم، وأوسع حضورا في دوائر الاستثمار والشراكة.

ولم تكن الغرفة وحدها في هذا الطريق، فقد وَجدَتْ في مكتب محافظ شمال الباطنة بقيادة سعادة محمد بن سليمان الكندي، شريكًا استراتيجيًا دَعَمَ جهودها وأسهم في فتح مساحات أوسع للتنسيق بين المؤسسات الحكومية ومجتمع الأعمال، وفي تعزيز المبادرات والفرص الاستثمارية، وهي شراكة ظهرت عمليًا في اللقاءات المشتركة وربط اللجان القطاعية بالجهات الحكومية ومناقشة تحديات أصحاب الأعمال، في معادلة متناغمة: محافظة تدعم وغرفة تبادر وقطاع خاص يتحرك وينمو.

غير أن أجمل ما تفعله التجارب الناجحة أنها ترفع سقف الطموح؛ فالغرف التجارية في العالم تتغير هي الأخرى، لم يعد دور الغرفة الحديثة ينتهي عند تمثيل مجتمع الأعمال أو تنظيم الوفود والملتقيات، بل امتد في تجارب دولية إلى مساعدة الشركات على الجاهزية للتصدير، وفهم الأسواق المستهدفة والرقمنة وتحليل البيانات وبناء القدرات.

ففي سنغافورة، على سبيل المثال، أعلن اتحاد الأعمال السنغافوري أنه دعم خلال عام 2025 نحو 13800 شركة، وسهَّل 232 مشروعًا خارجيًا في 27 دولة، إلى جانب خدمات في التجارة والاستثمار والتحول الرقمي. وفي بريطانيا، تتجاوز شبكة الغرف مفهوم الخدمة التقليدية إلى مرافقة الشركة في رحلتها نحو الأسواق الخارجية، وتقييم جاهزيتها للتصدير واختيار الأسواق والتشريعات والملكية الفكرية والتسعير وإدارة المخاطر.

وهنا تلوح أمام غرفة شمال الباطنة آفاق أوسع للمرحلة المُقبلة؛ حيث تجاوز عدد الشركات 68 ألف شركة في المحافظة، وهو رقم يفتح بابًا لطموح نوعي، فبعد اتساع قاعدة الأعمال، يأتي تحدي النمو، وهو أن تجد المؤسسة الصغيرة طريقها إلى مرحلة أكبر، وأن تَنفَذ الشركة المحلية إلى أسواق جديدة، وأن ينتقل رائد الأعمال من انتظار الفرصة إلى القدرة على صناعتها.

ومن هنا تبرز فكرة "عيادة نمو الشركات"، كمساحة مُتخصِّصة لا تكتفي بتقديم المعلومة لصاحب المشروع؛ بل تتبنى مشروعه وتؤمن به: أين يقف، وما الذي يُؤخر تقدمه، وما الذي يحتاجه لينتقل إلى المرحلة التالية، تمويلًا كان أو إدارة أو تقنية أو وصولًا إلى الأسواق، ثم تربطه بالخبرة والجهة والفرصة التي يحتاجها، ضمن مسار واضح للنمو والمتابعة.

وثمَّة رأس مال آخر تملكه الغرفة ولا يُقاس بالأرقام وحدها، ألا وهي: البيانات؛ فبما لديها من لجان وعلاقات مباشرة بمجتمع الأعمال، تتشكل لديها معرفة واسعة بحركة السوق وتحدياته وفرصه، ويمكن أن تتحول هذه المعرفة إلى مرصد اقتصادي ذكي لشمال الباطنة، يقرأ اتجاهات الاستثمار، ويرصد احتياجات القطاعات والفرص القادمة، لتصبح المعلومة أداة تسبق القرار وتعين على صناعته.

وهذا ما تتجه إليه غُرف التجارة عالميًا، مستفيدة من البيانات والذكاء الاصطناعي في تطوير خدماتها؛ ففي مسابقة الغرف العالمية لعام 2025، التي يُنظِّمها الاتحاد العالمي للغرف التابع لغرفة التجارة الدولية، برزت مجالات الابتكار والتحول الأخضر والتعاون بين الغرف وقطاع الأعمال والحكومات ضمن أبرز مجالات التنافس، وفازت غرفة تجارة أنقرة بجائزة أفضل مشروع ابتكاري عن مساعد أعمال ذكي قائم على الذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكد أن غرف المستقبل لا تكتفي بمعرفة ما يحدث في السوق، بل تسعى إلى استشراف ما سيحتاجه غدًا.

أمَّا شمال الباطنة، فلديها من المقومات ما يجعل سقف الطموح أعلى، من ميناء صحار والمنطقة الحرة، إلى القاعدة الصناعية والبيئة اللوجستية، والموقع الذي يصلها بأسواق العالم، وكل هذه المقومات تمنح الغرفة فرصة لأن تعمل في اتجاهين متوازيين: أن تستمر في جذب المستثمر إلى المحافظة، وأن تساعد الشركات العُمانية القائمة فيها على التوسع نحو أسواق جديدة، فالطموح اليوم أن تخرج الشركات من صحار إلى العالم بمشاريع واعدة وصادرات ومنتجات تحمل اسم عُمان، وشركات تعرف كيف تنمو وتستمر وتنافس.

غادرتُ ملتقى "إنجاز وأثر" وأنا أفكرُ في قيمة أن ترى مؤسسة حصاد أعوامها أمامها، لتدرك المسافة التي قطعتها، والآفاق التي أصبحت أقرب إليها، فما عُرِضَ تلك الليلة كان حكاية عمل شارك في كتابتها فريق ولجان قطاعية وشركاء، وأصحاب وصاحبات أعمال آمنوا بأنَّ للقطاع الخاص دور أكبر في صناعة المستقبل.

وللمهندس سعيد بن علي العبري وفريقه حقٌ أن ينظروا إلى هذه الأعوام بشيءٍ من الرضا، فقد مضت أربعة أعوام ثرية بالعطاء والعمل والطموح، ولعل هذا هو المعنى الأجمل لـ"إنجاز وأثر"، أن ينتهي التكريم، ولا ينتهي الأثر.

الأكثر قراءة

z