المدرسة التي يشتاق إليها أبناؤنا

 

يارا الحايك **

في مقالي السابق "حين يعود الطلاب إلى المدارس… يعود المعلم إلى رسالته" المنشور هنا بتاريخ 10 سبتمبر 2026، توقفت عند المعلم بوصفه أحد أهم عناصر العملية التربوية، وعند الرسالة التي تتجاوز نقل المعرفة إلى الإسهام في بناء الإنسان. لكن الحديث عن المعلم يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن المكان الذي يؤدي فيه هذه الرسالة، وعن التجربة التي يعيشها الطالب داخل المدرسة نفسها. فإذا كنا نريد تعليمًا يصنع إنسانًا قادرًا على التفكير والنمو، فعلينا أن نسأل أيضًا: أي مدرسة نريد لأبنائنا؟

مع بداية كل عام دراسي، يتكرر المشهد في بيوت كثيرة: طفل يفرح بانتهاء الدراسة أكثر مما يفرح ببدئها، وأسرة تستقبل العودة إلى المدرسة بشيء من القلق، وكأنها تستعد من جديد لسلسلة من الواجبات والاختبارات والضغط اليومي. ثم تأتي الإجازة، فيتنفس الجميع الصعداء، ويبدأ بعد ذلك العد التنازلي لعودة أخرى إلى المدرسة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه ليس: لماذا لا يحب أطفالنا المدرسة؟ بل سؤال أكثر عمقًا: لماذا لم نصنع مدرسة تجعل الطفل يحب أن يكون فيها؟

فإذا كانت المدرسة هي المكان الذي يقضي فيه الطفل سنوات طويلة من عمره، فمن الطبيعي أن تكون علاقته بها مؤشرًا مهمًا على جودة تجربته التعليمية. والطفل الذي ينتظر الجرس الأخير، ويعد الأيام حتى الإجازة، ويشعر أن العودة إلى المدرسة عبء، لا ينبغي أن نتعامل معه باعتباره المشكلة وحده؛ فقد يكون هذا الشعور انعكاسًا لنظام تعليمي لم ينجح بعد في جعل التعلم تجربة ممتعة وذات معنى.

التعليم ليس عملية لتعبئة الذاكرة بالمعلومات ثم اختبار قدرتها على استعادتها. المعرفة ضرورية، والحفظ جزء من بنائها، لكن الخلل يبدأ حين يصبح الحفظ هو الغاية، والامتحان هو النهاية، والدرجة هي المعيار الأهم. عندها يتعلم الطالب من أجل أن ينجح في الاختبار، لا من أجل أن يفهم العالم من حوله، أو يكتشف قدراته، أو يتعلم كيف يتعامل مع مشكلاته.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه عند مراجعة مدارسنا هو: ماذا يحدث للطالب خلال اليوم الدراسي؟ هل يقضي ساعات طويلة في الاستماع والاستظهار، أم يعيش تجارب متنوعة تجعله شريكًا في تعلمه؟ هل يتحرك ويسأل ويجرب ويناقش ويبحث ويصنع، أم أن معظم يومه يمر بين كتاب ودفتر وامتحان؟

إن الفرق بين المدرستين ليس شكليًا، إنه فرق في فلسفة التعليم نفسها.

ولهذا تستحق بعض مبادئ التجربة الفنلندية التأمل، لا باعتبارها نموذجًا ينبغي نسخه كما هو، فلكل مجتمع ظروفه وثقافته، وإنما لأنها أعادت النظر في المدرسة باعتبارها بيئة متكاملة للتعلم والنمو. فالتعلم النشط، والمشاركة، والتعاون، وحل المشكلات، والارتباط بالحياة، والاهتمام برفاه الطالب، كلها عناصر تساعد على جعل المدرسة مكانًا يعيش فيه الطالب تجربة تعليمية، لا مجرد مكان يتلقى فيه المعلومات.

إن المدرسة التي نريدها لأبنائنا ينبغي أن تبدأ من إعادة تصميم تجربة الطالب نفسها؛ فالمنهج، مثلًا، لا ينبغي أن يكون قائمة طويلة من الموضوعات التي يجب الانتهاء منها في موعد محدد، وإنما مسارًا يساعد الطالب على فهم العالم. يمكن أن يتعلم الرياضيات من خلال مشروع واقعي، والعلوم من خلال التجربة، واللغة من خلال الكتابة والحوار والمسرح، والتاريخ من خلال البحث والتحقيق، والتقنية من خلال صناعة شيء حقيقي. وحين يرى الطالب الصلة بين ما يتعلمه وحياته، تصبح المعرفة أداة للفهم والعمل، لا مادة للحفظ والنسيان.

ومن الضروري كذلك أن تتسع المدرسة للاختلاف بين الطلاب في طريقة التعلم وميولهم وقدراتهم. ليس المطلوب أن يتعلم الجميع بالطريقة نفسها، أو أن ينجحوا في المجال نفسه، أو أن يسيروا بالسرعة ذاتها. المدرسة الذكية لا تجعل الاختلاف مشكلة ينبغي إخفاؤها، بل حقيقة ينبغي أن يصمم التعليم على أساسها.

ومن هنا يصبح اكتشاف الميول جزءًا طبيعيًا من الحياة المدرسية. قد يجد طالب نفسه في العلوم، وآخر في الفن، وثالث في الرياضة، ورابع في التقنية، وخامس في الكتابة أو الخطابة أو العمل الجماعي. وليس المقصود أن يُحاصر الطفل مبكرًا داخل تخصص محدد، وإنما أن يحصل على فرص متنوعة تساعده على اكتشاف ما يجذبه وما يستطيع أن يبدع فيه.

ثم تأتي قضية الامتحان، وهي ربما أكثر ما يحتاج إلى إعادة نظر. لا يمكن أن تكون ورقة اختبار واحدة قادرة على اختزال رحلة تعلم كاملة. فالطالب قد يفهم ولا يجيد التعبير تحت ضغط الاختبار، وقد يملك قدرة على التطبيق والإبداع لا تكشفها الأسئلة التقليدية. لذلك ينبغي أن يصبح التقييم أكثر تنوعًا، وأن يقيس الفهم والتطبيق والتحليل والإبداع والمشروعات، إلى جانب المعرفة الأساسية.

أما البيئة المدرسية، فهي ليست إطارًا خارجيًا للعملية التعليمية، بل جزء منها. المدرسة التي يدخلها الطفل وهو يشعر بالأمان والانتماء والاحترام تختلف جذريًا عن مدرسة يدخلها وهو خائف من الخطأ أو العقوبة أو المقارنة المستمرة.

نحتاج إلى مدارس تمنح الطالب مساحة للحركة، واللعب، والفن، والحوار، والعمل الجماعي، والتجربة. مدارس يكون فيها الخطأ مرحلة طبيعية من التعلم، والسؤال بداية للمعرفة، والاختلاف فرصة للحوار، لا سببا؟ للخوف.

وهنا تظهر أهمية المساحة التي تُمنح للمعلم في تصميم تجربة التعلم داخل صفه، لكن القضية في هذا المقال ليست المعلم وحده، بل النظام الذي يتيح له أن يجعل الصف حيًا ومتفاعلًا. فلا يمكن أن نطالب المدرسة بإنتاج تجربة تعليمية جديدة بينما تظل كل عناصرها مصممة وفق منطق قديم.

والمدرسة الحديثة ليست بالضرورة مدرسة أكثر تكنولوجيا. فوجود الأجهزة والشاشات لا يجعل التعليم حديثًا إذا ظل الطالب يستخدمها بالطريقة نفسها التي كان يستخدم بها الكتاب. التكنولوجيا وسيلة، أما الحداثة الحقيقية فهي في طريقة التفكير في التعلم.

كما أن الأسرة تحتاج إلى أن تتحرر من اختزال نجاح أبنائها في الدرجات. حين يصبح السؤال الوحيد بعد العودة من المدرسة: "كم حصلت؟"، يتعلم الطفل أن قيمته مرتبطة بالرقم. والأجدى أن نسأله: "ماذا تعلمت اليوم؟ ماذا أعجبك؟ ماذا اكتشفت؟ وما الشيء الذي تريد أن تعرف عنه أكثر؟".

إنَّ إصلاح التعليم لا يعني أن نلغي النظام أو الانضباط أو المعرفة الأساسية، وإنما أن نعيد ترتيبها داخل منظومة أكثر إنسانية وفاعلية. فالمعرفة تمنح الطالب الأساس، والفهم يمنحها المعنى، والممارسة تحولها إلى مهارة، والتجربة توسعها، والتفكير يفتح بها آفاقًا جديدة.

وفي النهاية، ربما يكون أفضل اختبار لنجاح المدرسة أبسط من كل مؤشرات الأداء والاختبارات: هل يخرج الطفل منها راغبًا في أن يعرف أكثر؟

إذا كانت المدرسة تقتل فضول الطفل، فقد تنجح في تلقينه المعلومات، لكنها تفشل في بناء المتعلم.

أما إذا جعلته أكثر فضولًا مما كان، وأكثر ثقة بقدرته على التعلم، وأكثر رغبة في التجربة والاكتشاف، فقد أدت رسالتها الأهم.

نحن لا نحتاج إلى طفل أكثر انضباطًا كي يحب المدرسة بقدر ما نحتاج إلى مدرسة أكثر ذكاءً وإنسانية كي تستحق حب الطفل.

وحين تصبح المدرسة مكانًا للتعلم والاكتشاف والحركة والحوار والانتماء، لن تكون الإجازة خلاصًا منها، بل استراحة قصيرة يستعيد فيها الطالب طاقته.

وعندها لن يكون السؤال: "كيف نقنع أبناءنا بالذهاب إلى المدرسة؟"؛ بل سنصل إلى المفارقة التي نتمنى أن تصبح واقعًا: كيف نقنعهم بالعودة إلى البيت؟

** كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z