موعدٌ مع الحكايات في "الشارقة للكتاب"

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

 

لطالما كان حضور معرض الشارقة الدولي للكتاب أمل يراودني منذ سنوات ماضية، وأمنيةً تسكن شغاف القلب، وتتجدد مع كل دورة من دوراته؛ علّني أبحث بين أروقته عن أجمل حكايات البشر، واقتني روائع الإصدارات، وأصافح فيه عقولًا أضاءت دروب المعرفة والإبداع من خلال لقاء الكتّاب والأدباء والمفكرين، وأجد بين رفوف المعرض ما يشبع فكري وعوالمه التي لا ترتوي ابدًا، حيث تتحول القراءة في مثل هكذا معارض كبرى الى وطن وحياة تتسع فيها آفاق المرء وعلومه ومداركه.

وكنتُ قد تلقيتُ دعوات كريمة من إخوة أعزاء في إمارة الشارقة خلال الأعوام الفائتة، يحملون لي فيها دفء المودة وصدق المحبة للحضور، غير أن ظروف الحياة كانت تحول في كل مرة بيني وبين تحقيق تلك الأمنية، حتى ظننت أن هذا أمل حضور معرض الشارقة للكتاب سيظل مؤجلًا في دفاتر الانتظار الى موعدًا لم تكتمل بعدُ أسبابه.

وهكذا، قد تتأخر الآمال لكنها حين تأتي في موعد مناسب يمنحنا جميل المشاركة والحضور.

إن الشارقة الباسمة قد جعلت من الثقافة عنوانًا لنهضتها، وجعلت من الأدب والثقافة جسرًا للتواصل بين الشعوب، فلم تعد مجرد أمارة تحتضن معرضاَ دوليًا سنويًا للكتاب مميزًا، بل أصبحت منارة اشعاع فكرية تتجه إليها أنظار المثقفين والادباء والمفكرين ورواد النشر والطباعة وحتى السواح من كل حدبًا وصوب؛ ففي كل زاوية من زوايا هذه الامارة الرائعة تتجلى العناية بالثقافة، وفي كل فعالية بمعرض الكتاب تنبض روح التنظيم والإبداع، وفي كل ابتسامة من ابتسامات أهلها الكرام تتجسد قيم المحبة والود وكرم الضيافة، حتى ليشعر الزائر أنه لا يدخل معرضًا للكتب فحسب، وإنما يدخل عالمًا تقترب فيه القلوب والأفكار والرؤى معًا.

وفي هذه الأيام السعيدة فتحت الشارقة أبواب معرضها الدولي للكتاب تحت شعار بالغ الدلالة والجمال: «من صُنع الحكايات»، وكأن هذا الشعار يختصر فلسفة الإنسان في علاقته بالكتاب؛ فالحكايات ليست مجرد كلمات تُروى، بل هي ذاكرة الأمم والشعوب، وسجل الحضارات، والنافذة التي يطل منها الماضي على المستقبل.

ولعل ما يمنح هذه الدورة خصوصيتها أنها تأتي بحضور ثقافي عالمي واسع، يجمع، وفق الأرقام المعلنة، 2673 ناشرًا وعارضًا من 124 دولة، في مشهد يعكس المكانة الدولية التي بلغها هذا المعرض، وقدرته على جمع الثقافات واللغات والتجارب الإنسانية تحت سقف واحد، ولن يقتصر هذا المحفل الثقافي الكبير على عرض الكتب والإصدارات، بل سيمتد إلى فضاءات رحبة من الإبداع والمعرفة، من خلال أكثر من 1500 فعالية ثقافية وفنية وإبداعية، تشمل اللقاءات الفكرية والحوارات الأدبية والورش التفاعلية والعروض المسرحية وغيره الكثير، بما يجعل من المعرض مدينةً ثقافيةً نابضةً بالحياة، تتجدد فيها الأسئلة، وتلتقي فيها التجارب، وتُولد من بين أروقتها أفكار قد تتحول يومًا إلى مشروعات معرفية كبرى.

ولقد توج ركن سلطنة عُمان هذا العرس الثقافي متوشحًا عباءة ضيف الشرف، حاملًا على كتفيه إرثًا حضاريًا وإنسانيًا ضاربًا في أعماق التاريخ؛ تاريخ بلد كانت ولا تزال موانئه جسورًا للتواصل بين الأمم الحضارات، وسفنه البحرية رسلًا للتجارة والسلام، وتجاره وربابنته وعلماؤه وأدباؤه ومفكروه شهودًا على إسهاماتها الأصيلة في صناعة المعرفة الإنسانية عبر الزمن.

إن عُمان التي عرفت طرق البحار منذ قرون، وامتدت صلاتها التجارية والثقافية إلى الهند والصين وشرق أفريقيا وسائر الموانئ العربية وكافة أنحاء المعمورة، لم تكن مجرد أرض تعبر منها القوافل والسفن، بل كانت موطنًا لتفاعل الحضارات، ومنبعًا لقيم التسامح والتعايش والانفتاح مع الآخر.

ومن صحار التي عرفت ازدهار التجارة البحرية، إلى ظفار التي حمل لبانها العُماني عبق الأرض إلى أسواق العالم القديم، مرورًا بمسقط وزنجبار أطلت عُمان على البحار والثقافات والشعوب والامم، فتجلت سيرة أمة لم تنقطع يومًا عن محاورة العالم ولم تتخلَّ عن أرثها وأصالتها.

تأتي هذه المشاركة للسلطنة بمعرض الشارقة للكتاب حاملةً كنوزًا من كتب التاريخ والأدب والفكر والتراث، لتروي للعالم جانبًا من سيرة وطن آمن بأن الحضارة لا تُقاس بما تملكه الأمم من قوة فحسب، بل بما تمنحه للإنسانية من علم وحكمة وسلام.

إن اختيار سلطنة عُمان ضيفَ شرفٍ لهذا المعرض الكبير يمثل مناسبة ثقافية تستحق الاحتفاء، وفرصة لإبراز الحراك الأدبي والفكري العُماني، والتعريف بإبداعات الكتّاب والأدباء والباحثين والمؤرخين العُمانيين، الذين أسهموا بمؤلفاتهم في إثراء المكتبة العربية، وحفظ الذاكرة الوطنية، وتقديم صورة مشرقة عن الإنسان العُماني وقيمه وتاريخه، فمعرض الشارقة الدولي للكتاب يُعد رحلة إلى فضاء تتعانق فيه الثقافة بالهوية، ويلتقي فيه التاريخ العريق بأفاق رحبة يحتفي فيها الانسان بالمعرفة عبر الحكاية.

انني اليوم لست مجرد زائر يبحث عن عنوان جديد أو إصدار حديث، بل ضيف حاملًا في وجداني شيئًا من رائحة اللبان الظفاري، وذاكرة الموانئ العُمانية، وحكايات البحارة، وأصوات الشعراء، وصفحات التاريخ التي كتبتها عُمان بحكمة أبنائها وسماحة أهلها عبر مساهمتي المتواضعة ببحث يحمل عنوان "ادميرال في بحر العرب" الذي وثقت فيه بلغة بسيطة حكاية الادميرال الصيني "تشينغ خه".

هذا بجانب أحدث إصداراتي كتاب: "قوة القيادة أساسها الرحمة والحكمة"، وكتاب "ثلاثون من أخلاق القرآن الكريم".

شكرًا لوطني عُمان الذي علّمني أن الأمم العظيمة لا تحضر التاريخ بذاكرتها وحدها، بل بما تضيفه إلى صفحاته من فكر وإبداع وأثر إنساني خالد.

ختامًا.. لا يمكن الحديث عن هذا المشهد الثقافي الاستثنائي دون الإشادة بالرؤية الثقافية الحضارية التي أرساها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى لدولة الامارات العربية حاكم الشارقة، الذي جعل من الثقافة مشروعًا إنسانيًا متصلًا، ومن الكتاب ركيزة لبناء الوعي، ومن الشارقة فضاءً عالميًا تتلاقى فيه العقول وتتعارف من خلاله الشعوب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z