المجالس البلدية وصناعة التنمية.. من إدارة الخدمات إلى صناعة الفرص

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

تجربة المجالس البلدية تمضي وفق ما خطط لها منذ قيامها العام 2011 وإجراء أول انتخابات بلدية في 2012، هذه التجربة وما صاحبها من تحول إداري، مرَّت بتحولٍ مهم بعد صدور المرسوم السلطاني رقم 126/2020؛ ليؤسس مرحلة جديدة من مراحل التنمية الوطنية؛ إذ لقيت هذه التجربة الوطنية رعاية من القيادة الحكيمة لما تمثله من أهمية كبرى في إدارة شؤون الدولة ومؤسساتها الخدمية والاجتماعية والاقتصادية، لقد نقلت التجربة مفهوم الإدارة إلى اللامركزية حتى تصل التنمية إلى جميع أطراف البلاد.

وينبغي النظر إلى المجالس البلدية ومنظومة إدارة المحافظات على أنها ممكن للتنمية وحاجة ضرورية لها، وليست شكلًا مسايرًا للأنظمة الإدارية في الدول، ومن هذا المنطلق يجب أن تتطور التجربة وأن تتوسع الاختصاصات شيئًا فشيئًا، وبما يتناسب مع مقتضيات المرحلة التخطيطية التي تسير على أساسها، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ حيث إن هذا النظام اللامركزي له دور كبير في تقريب صناع القرار من احتياجات المجتمع المحلي، ونافذة هامة تساهم في وضع الحلول المناسبة للتحديات التي تواجه المواطن.

وبالنظر للمرحلة السابقة والاختصاصات الممنوحة للمجالس البلدية وجب أن نتحدث عن تغيير محوري يتمثل في دور أكبر على مستوى المتابعة، فلم يعد الدور التقليدي المتمثل في اقتراح وتحديد الأولويات للخدمات والمشاريع كافيًا، خاصة مع انقضاء ما يزيد عن خمسة عشر عامًا من إنشاء المجالس البلدية، وحتى تتمكن المحافظات من التحول في دورها من تقديم الخدمات إلى صناعة الفرص، وهذا يحتاج إلى مزيد من الاختصاصات والصلاحيات لاستثمار المزايا النسبية والموارد الطبيعية والبيئية والبشرية لكل محافظة، وتحويل المحافظات إلى محركات للتنمية الاقتصادية والاستثماريّة.

وفي كل الأحوال فإن هذه المنظومة سوف تخضع للتقييم الكامل بحسب التوجيهات السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- والذي أمر بإجراء مراجعة شاملة، وهذا مؤشر على أن هذه المنظومة يُراد لها النمو والتطور والتمكين. والسؤال الذي يجب أن يستحضره الجميع هو ماذا نريد من ممكنات وصلاحيات لهذه المجالس وللمحافظات حتى تقوم بدورها على أكمل وجه؟ وهذا التساؤل يفتح العديد من الملفات التي يجب دراستها بعناية للوصول إلى توجه وطني يخدم المصلحة الوطنية ويحقق تطلعات المواطن.

وهناك معالجات يجب تنفيذها للوصول إلى الغاية المرجوة من المجالس البلدية والمحافظات، على سبيل المثال الرقابة على تنفيذ المشروعات، بحيث يمنح المجلس صلاحية متابعة نسب الإنجاز، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية، وجودة التنفيذ، وأسباب التأخير، وهذا أمر سوف يساهم في ضبط تنفيذ المشاريع وضمان جودة التنفيذ وسرعته، كما إن الرقابة على أداء الخدمات الحكومية كأحد الجوانب التي يجب تطويرها في اختصاصات المجلس البلدي؛ حيث إن تمكين المجلس من تقييم مستوى الخدمات المقدمة في المحافظة، وطلب الإيضاحات من المسؤولين المختصين بشأن أوجه القصور، يعزز من دور المجلس ويعطي تغذية راجعة تساهم في تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، ويجعل المجلس أكثر قربًا من المجتمع.

ويجب أن يمكن عضو المجلس البلدي في متابعة أداء الجهات الخدمية، والحصول على البيانات والمعلومات اللازمة التي تمكنه من أداء دوره، دون الدخول في خصوصيات الجهات المتعاقدة مع المحافظات، أو الشركات الاستثمارية، كما يجب أن تكون هناك آلية لمتابعة التوصيات والمقترحات التي تقدم من المجلس البلدي، وأن توضع إجراءات محددة بشأن الرد على هذه المقترحات والتوصيات وما تم الأخذ به وما لم يتم، والأسباب والمبررات لذلك.

ومن المهم أن تَبني المجالس البلدية شراكات فاعلة مع القطاع الخاص، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأن تمتلك المجالس خططاً واضحة بشأن الاستثمار والاستفادة من المزايا النسبية للمحافظات، وأن تكون هناك خطة موازية لهذا على مستوى الاستفادة من الموارد البشرية والكفاءات الوطنية التي تتوفر في كل محافظة، وهذه قضية مهمة جدا، ولا يجب تجاهل هذا الأمر لما يمثله من قيمة مضافة تساهم في تجويد العمل في المحافظة، وتمنحها ميزة الاستفادة من خبرات وطنية تم تأهيلها وتطويرها بشكل علمي وفني، هذا بالإضافة إلى تعزيز التكامل بينها وبين المحافظات والجهات الحكومية.

وأخيرًا.. على المجالس البلدية لكي تحقق الغايات والأهداف المرجوة أن تنتقل من قياس المشاريع المنفذة إلى قياس الأثر التنموي في المحافظة، وهذا مهم جدًا حيث إن الأثر هو ما يعني المواطن بالدرجة الأولى، وهو المرجع الحقيقي لقياس مدى نجاح البرامج التنموية، هذا الأثر يتمثل في عدد فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي وفرتها المحافظة، وحجم التوظيف الذي تم، وكذلك عددٍ الاستثمارات التي حققتها المحافظة وحجم المشاريع التي تمت، مع الأخذ في الاعتبار الاستدامة التنموية لهذه المشاريع والاستثمارات، وهناك أمر مهم كذلك يجب أن يكون حاضرا حتى يحدث التطور المتوقع والتلقائي للمحافظات وهو الإبقاء على حالة التنافس الإيجابي بين المحافظات، والرغبة في التميز عن طريق ما تقدمه كل محافظة من قيمة مضافة ترفد الاقتصاد الوطني وتساهم في حل التحديات التي تواجه الحكومة بشكل عام.

الأكثر قراءة

z