سوق رأس المال.. من التداول إلى تمويل الاقتصاد

 

 

 

فايزة سويلم الكلبانية

faizaalkalbani1@gmail.com

لم يعد تطوير سوق رأس المال في سلطنة عُمان مرتبطًا فقط بتنظيم عمليات التداول والإصدارات، بل أصبح جزءًا من توجه أوسع لبناء منظومة مالية قادرة على تعبئة المدخرات، واستقطاب الاستثمارات، وتوفير مصادر تمويل متنوعة للاقتصاد الوطني.

ويأتي صدور اللائحة التنفيذية لقانون الأوراق المالية بالقرار رقم (خ/11/2026) ليشكل خطوة مهمة في هذا المسار، من خلال وضع قواعد أكثر شمولًا تنظم مختلف مكونات السوق وتدعم تطوره خلال المرحلة المقبلة. وما يلفت في هذه المرحلة هو اتساع نطاق الخدمات والأنشطة التي يمكن أن يحتضنها سوق رأس المال، لتشمل إدارة الأصول، وبنوك الاستثمار، وصناعة السوق ومزودي السيولة، وأدوات الدين والصكوك، وصناديق الاستثمار، والتصنيف الائتماني، إلى جانب سوق الإصدارات الأولية وسوق التداول. وهو تحول يعكس توجهًا نحو سوق أكثر تنوعًا، لا يقتصر دوره على تداول الأوراق المالية، وإنما يمتد ليكون قناة لتمويل الشركات والمشروعات وتحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة.

وفي قلب هذه المنظومة تأتي حماية المستثمر؛ باعتبارها شرطًا أساسيًا لبناء الثقة واستدامة السوق. فقد وضعت الأحكام الجديدة ضوابط واضحة للفصل بين أموال العملاء وأموال الجهات التي تقدم الخدمات المالية، بما يمنع استخدامها لأغراض خاصة أو لتغطية التزامات عملاء آخرين، مع حفظ أموال وأوراق المتعاملين في حسابات منفصلة، بما يوفر حماية أكبر لحقوقهم حتى في حالات إفلاس أو تصفية الجهة العاملة.

وتتجاوز الحماية الجانب المالي إلى حق المستثمر في المعرفة؛ فالجهات العاملة مطالبة بتوضيح طبيعة الخدمات والمخاطر والرسوم والعمولات، والتعرف على أهداف العميل الاستثمارية، وتقديم معلومات واضحة ومتوازنة تساعده على اتخاذ قراره بعيدًا عن التضليل أو المبالغة؛ فالمستثمر الواعي لا يحتاج إلى وعود بالربح، بقدر حاجته إلى معلومات تمكنه من فهم الفرص والمخاطر.

ويشكل الإفصاح عنصرًا آخر في تعزيز الثقة؛ إذ تركز القواعد الجديدة على إتاحة المعلومات الجوهرية بصورة واضحة وفي الوقت المناسب، وبالمستوى نفسه من الشفافية؛ سواء كانت المعلومات إيجابية أو سلبية، مع التعامل مع الشائعات والمعلومات غير الدقيقة المتداولة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي؛ بما يحافظ على تكافؤ المعلومات بين المستثمرين.

كما أن حماية السوق نفسها تحظى باهتمام واضح، من خلال التصدي للممارسات التي قد تؤثر بصورة مصطنعة في الأسعار أو التداول، بما في ذلك التداولات الوهمية والأوامر غير الجادة واستغلال أوامر العملاء لتحقيق منافع خاصة. والسوق السليم هو الذي تعكس فيه الأسعار قوى العرض والطلب الحقيقية، وتبنى فيه القرارات على معلومات موثوقة.

ومن الأدوات المهمة لتعميق السوق صناعة السوق ومزودو السيولة؛ إذ يمكن لهذا النشاط أن يسهم في توفير أوامر البيع والشراء بصورة أكثر استمرارية وتقليص الفجوة بين سعري العرض والطلب، وهو ما يعزز قدرة المستثمرين على الدخول إلى السوق والخروج منه، خصوصًا في الأوراق المالية منخفضة السيولة.

وفي المقابل، يفتح التنوع في المنتجات الاستثمارية آفاقًا جديدة أمام المستثمرين والشركات، من خلال صناديق المؤشرات المتداولة، وصناديق أدوات الدين، ورأس المال المغامر، وحقوق الملكية الخاصة، والصناديق الخضراء والمستدامة، إلى جانب المنتجات المهيكلة والتوريق وشركات الغرض الخاص. ويعني ذلك خيارات استثمارية أوسع ومصادر تمويل أكثر تنوعًا، بما يقلل الاعتماد على التمويل المصرفي التقليدي وحده.

ويبرز هنا الدور المحوري لصناديق الاستثمار وإدارة الأصول؛ فالصناديق قادرة على تحويل المدخرات إلى استثمارات مدارة بصورة مهنية، وخلق طلب مستدام على الأسهم والسندات والصكوك وغيرها من الأدوات، بما يدعم السيولة وعمق السوق ويشجع الشركات على التوسع في الإصدارات والإدراج.

ولا تنفصل هذه التحولات عن التطورات التقنية والاستدامة. فقد أتاح الإطار الجديد مجالًا لتجربة التقنيات المالية الحديثة، ودعم التعاملات الإلكترونية، واستخدام الذكاء الاصطناعي وفق ضوابط تنظيمية، إلى جانب تعزيز الإفصاح المتعلق بالاستدامة والمناخ وفق معايير (IFRS S1) و(IFRS S2).

في النهاية، تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعيد تعريف الدور الذي يمكن أن يؤديه سوق رأس المال العُماني؛ فالمطلوب لم يعد مجرد سوق أكثر نشاطًا في التداول، وإنما سوق أكثر قدرة على تمويل الاقتصاد، وتوظيف المدخرات، وتنويع مصادر التمويل، وحماية المستثمر، واستقطاب رؤوس الأموال.

ويبقى التحدي الحقيقي في مرحلة التطبيق؛ فنجاح هذا التحول لن يقاس بعدد المواد والضوابط، وإنما بقدرة السوق على تحويلها إلى ممارسة فعالة، ومنتجات حقيقية، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومستثمر أكثر وعيًا، بما يعزز تنافسية الاقتصاد العُماني ويدعم مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

الأكثر قراءة

z