النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري.. من الاستراتيجية إلى التطبيق

 

 

 

 

د. مهند العصفور

 

يُمثل هذا المقال الحلقة الثالثة ضمن سلسلة من المقالات التي أحاول من خلالها طرح ومناقشة مفهوم «موارد رأس المال البشري»، بوصفه مدخلًا فكريًا وتنمويًا يتجاوز النظرة التقليدية للإنسان باعتباره عنصرًا في سوق العمل أو موردًا داخل المؤسسة، لينظر إليه باعتباره موردًا وطنيًا متجددًا وثروة استراتيجية قابلة للتنمية والاستثمار والتطوير المستمر. وقد تناول المقال الأول الإطار المفاهيمي لهذا المصطلح، فيما ناقش المقال الثاني الحاجة إلى استراتيجية وطنية لموارد رأس المال البشري. أما في هذا المقال، فننتقل خطوة أخرى نحو التطبيق من خلال طرح فكرة «النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري».

 

والهدف من هذه السلسلة ليس تقديم تصور نهائي أو وصفة جاهزة، بقدر ما هو تسليط الضوء على هذا المصطلح الجديد وفتح مساحة للنقاش حوله من زوايا مختلفة؛ فالفكرة تحتاج إلى البحث والنقد والتطوير والتجريب قبل أن تتحول إلى إطار وطني متكامل. والسؤال الذي أحاول طرحه هنا هو: إذا اتفقنا على أن الإنسان يمثل أحد أهم الموارد الوطنية وأكثرها استدامة، فكيف يمكن بناء نموذج يساعدنا على فهم هذا المورد وقياسه وتنميته واستثماره بصورة أكثر تكاملًا وفاعلية؟

 

إن النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري المقترح ينطلق من فرضية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها؛ وهي أن الإنسان مورد وطني متجدد، لا تتحدد قيمته بما يمتلكه اليوم فقط من معرفة أو مؤهل أو وظيفة، وإنما بما يمكن تطويره فيه عبر مختلف مراحل حياته. ومن هنا يصبح الاستثمار في الإنسان عملية مستمرة تبدأ مبكرًا، وتتطور عبر التعليم والعمل والتجربة والتعلم المستمر، وتمتد إلى الصحة وجودة الحياة والمهارات والسلوك والقدرة على التكيف والإنتاج والابتكار.

 

ويختلف هذا المنظور عن كثير من نماذج رأس المال البشري التقليدية التي ركزت تاريخيًا على التعليم والمعرفة والمهارات الفنية والخبرة المهنية باعتبارها المصادر الرئيسية للقيمة الاقتصادية للإنسان. فاقتصاد المستقبل يفرض علينا توسيع هذه الدائرة؛ إذ لم تعد الشهادة الأكاديمية أو المهارة الفنية وحدهما كافيتين لضمان الإنتاجية أو الجاهزية للمستقبل، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتغير المستمر في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.

 

ومن هنا، يفترض النموذج أن القيمة الوطنية للإنسان تتشكل من منظومة متكاملة من القدرات المعرفية والمهنية والسلوكية والنفسية والصحية والاجتماعية. فالذكاء العاطفي، والقدرة على التواصل الفعال، والمرونة النفسية، وعقلية النمو، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيير، والعمل ضمن فرق متنوعة، والمبادرة والانضباط والمسؤولية؛ لم تعد مهارات هامشية، بل أصبحت عناصر مؤثرة بصورة مباشرة في الإنتاجية والابتكار والقابلية للتوظيف والقدرة على المنافسة.

 

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التعليم أو المعرفة أو التخصص، بل إعادة وضعها ضمن منظومة أوسع. فقد يمتلك مجتمع ما مستويات مرتفعة من التعليم، لكنه لا يحقق بالضرورة المستوى ذاته من الإنتاجية أو الابتكار أو القيمة الاقتصادية. وقد تمتلك دولة أعدادًا كبيرة من الخريجين، لكنها تواجه في الوقت ذاته فجوات في المهارات، أو ضعفًا في المواءمة مع احتياجات الاقتصاد، أو تحديات في الانتقال من التعليم إلى العمل والإنتاج. وهنا تظهر أهمية النظر إلى رأس المال البشري باعتباره منظومة مترابطة وليس مجموعة مؤشرات منفصلة.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يقوم النموذج الوطني المقترح على عدد من الأبعاد المترابطة، يبدأ أولها بـالقياس الوطني الشامل لموارد رأس المال البشري؛ بحيث ننتقل من معرفة أعداد السكان والخريجين والباحثين عن عمل إلى فهم أعمق لنوعية القدرات والمهارات والسمات والجاهزية المستقبلية التي يمتلكها المجتمع. فالسياسات الأكثر دقة تبدأ من بيانات أكثر دقة، وما لا نستطيع فهمه وقياسه بصورة صحيحة يصعب علينا تطويره أو استثماره بصورة مستدامة.

 

أما البعد الثاني فيرتبط بـمواءمة التعليم والتعلم المستمر مع الاقتصاد المستقبلي. والمقصود هنا ليس فقط ربط التخصصات بالوظائف الحالية، وإنما بناء القدرات التي يحتاجها الاقتصاد بعد خمس أو عشر أو عشرين سنة. فالتغير المتسارع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل كثير من المهن، وبالتالي فإن النموذج الوطني ينبغي أن يقيس ويطور الجاهزية المستقبلية، والقدرة على إعادة التعلم، والمهارات الرقمية، والابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب المعرفة التخصصية.

 

ويأتي البعد الثالث من خلال الصحة العامة والصحة النفسية وجودة الحياة باعتبارها عناصر اقتصادية وتنموية وليست اجتماعية فقط. فالإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة واستقرار نفسي وقدرة على التعامل مع الضغوط والتغيرات أكثر قدرة على التعلم والعمل والإنتاج والمشاركة المجتمعية. ومن هنا يصبح الاستثمار في الصحة والرفاه النفسي والوقاية جزءًا من الاستثمار الوطني في رأس المال البشري، وله انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الإنتاجية والإنفاق العام والاستدامة المالية.

 

أما البعد الرابع فيتمثل في السمات الشخصية والسلوكية والمهارات الحياتية. وفي اعتقادي أن هذا البعد يستحق اهتمامًا أكبر في أي نموذج وطني مستقبلي؛ لأن كثيرًا من الفروق في الأداء لا يمكن تفسيرها بالمؤهلات والمهارات الفنية وحدها. فالمثابرة، والمرونة، والانضباط، والمسؤولية، والتواصل، والذكاء العاطفي، والعمل الجماعي، وعقلية النمو والقدرة على التكيف؛ جميعها تؤثر في قدرة الإنسان على تحويل معرفته إلى قيمة فعلية له ولمؤسسته ولمجتمعه واقتصاده.

 

ويكتمل ذلك ببعد خامس يرتبط بـالقيمة الاقتصادية والاجتماعية لرأس المال البشري؛ بحيث لا يكون الهدف النهائي للنموذج مجرد تطوير المهارات، وإنما زيادة قدرة الإنسان على المساهمة في الاقتصاد والمجتمع. وهنا ينبغي أن تتوسع نظرتنا من سؤال «كم وظيفة استطعنا توفيرها؟» إلى أسئلة أكثر عمقًا: ما القيمة التي يضيفها الفرد؟ وما مستوى إنتاجيته؟ وما قدرته على الابتكار وصناعة الفرص؟ وكيف يساهم في خلق وظائف جديدة أو تطوير قطاعات اقتصادية أو تعزيز التماسك الاجتماعي؟

 

إن وجود مثل هذا النموذج يمكن أن يتيح مستقبلًا تطوير مؤشرات وطنية لموارد رأس المال البشري تساعد على قراءة واقع المجتمع وقدراته بصورة أكثر تكاملًا، وتحديد الفجوات بين القدرات الحالية والقدرات التي يتطلبها الاقتصاد المستقبلي. كما يمكن أن يساعد على توجيه الاستثمارات في التعليم والتدريب والصحة والتوظيف وريادة الأعمال بناءً على بيانات مترابطة، بدلًا من التعامل مع كل قطاع بمعزل عن القطاعات الأخرى.

 

وفي السياق العُماني، تزداد أهمية هذا الطرح مع التحولات التي تستهدفها رؤية عُمان 2040 نحو اقتصاد أكثر تنوعًا ومعرفة وابتكارًا وتنافسية. فالتحول الاقتصادي لا يتحقق فقط بإيجاد قطاعات جديدة أو جذب الاستثمارات أو تطوير البنية الأساسية، وإنما يحتاج قبل ذلك وبالتوازي معه إلى مورد بشري قادر على تشغيل هذه القطاعات وقيادتها وتطويرها وابتكار فرص جديدة من خلالها. وهنا يصبح الإنسان ليس مستفيدًا من التنمية فحسب، بل صانعًا لها وأحد أهم أصولها الاستراتيجية.

 

لكن من المهم التأكيد أن ما أطرحه هنا لا يزال تصورًا فكريًا أوليًا لنموذج وطني يحتاج إلى تطوير منهجي ومؤسسي متخصص. فبناء النموذج يتطلب دراسات وبيانات ومؤشرات وأدوات قياس، كما يحتاج إلى اختبار العلاقات بين أبعاده المختلفة، والاستفادة من الخبرات الدولية دون استنساخها، وصولًا إلى نموذج يتناسب مع الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع العُماني وطموحاته المستقبلية.

 

ولهذا فإن تطوير النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري ينبغي ألا يكون جهدًا فرديًا أو مبادرة منعزلة، بل مشروعًا تتبناه وتعمل عليه جهات وطنية متخصصة، بمشاركة الخبراء والباحثين والمؤسسات المعنية بالتعليم والعمل والاقتصاد والصحة والتنمية الاجتماعية والقطاع الخاص. فالغاية أن يتحول النموذج، بعد تطويره والتحقق منه علميًا وعمليًا، إلى مرجعية وطنية رئيسية للتطبيق والقياس وصناعة السياسات والقرارات المرتبطة بتنمية الإنسان واستثماره.

 

وهنا تتضح العلاقة بين الحلقات الثلاث لهذه السلسلة: المفهوم يحدد كيف ننظر إلى الإنسان، والاستراتيجية تحدد إلى أين نريد أن نصل، والنموذج يحدد كيف نفهم الواقع ونترجم التوجه إلى تطبيق قابل للقياس والتطوير. ومن دون هذا الترابط قد تبقى الاستراتيجية مجموعة من التوجهات العامة، بينما يمنحها النموذج إطارًا يساعد على تحويلها إلى مؤشرات وبرامج وسياسات ومبادرات مترابطة يمكن متابعة أثرها عبر الزمن.

 

وفي نهاية المطاف، فإن الفكرة التي تحاول هذه السلسلة إثارتها للنقاش هي أن الدول تمتلك موارد طبيعية ومالية ومؤسسية، لكنها تمتلك كذلك موردًا مختلفًا في طبيعته: الإنسان؛ المورد الوحيد الذي يمكن أن تزداد قيمته كلما استثمرنا فيه. وربما يكون التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط في تطوير رأس المال البشري، وإنما في إعادة تعريف الطريقة التي ننظر بها إليه، وقياسه وإدارته واستثماره على المستوى الوطني.

 

إن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يستثمر في موارد رأس المال البشري لا يحدث بمجرد تغيير المصطلحات، بل بتغيير المنظور والسياسات والأدوات وآليات القياس والاستثمار. ومن هنا يأتي طرح «النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري» كخطوة ثالثة في هذا النقاش؛ ليس باعتباره نموذجًا مكتملًا، وإنما دعوة إلى تطويره جماعيًا وتحويله من فكرة قابلة للنقاش إلى نموذج قابل للقياس، ثم إلى ممارسة وطنية قادرة على صناعة أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z