الفكر النهم

 

ماجد بن علي الهادي

كانت الليالي تلوك الليل بنَهَمٍ وعندما اكتشفها غذاها بالنجوم. كان يخاف من اللاشيء ويقلق من ماهية مستقبلية مجهولة ويتلوى بالتوتر من الخوف والقلق في ذات الوقت. سلسلة نفسية عصبية مستمرة تفقده التركيز، وتقتل أحاسيسه في موات عصبي كئيب، وتسارع في ضربات القلب، وضيق في التنفس، وتعرق، ورجفة.

رسائل نفسية وعصبية وجسدية يحملها ذلك الذي لم يكن يؤمن يوما بما هو نفسي وعصبي. كانت الرسائل لا تنفك تصفعه مرارا وتكرارا لكنه يأبى أن يستجيب لها، أو يعطيها أدنى أهمية. هكذا هو الإنسان لا يدرك الفظاعة إلا بعد فوات الأون، كما إنه لا يستوعب السعادة والفرح والسرور إلا برحيلها مع مسبباتها.

بالتأكيد أنها المتتالية الحياتية المعنونة على الدوام بالضريبة أو المكافأة. ولكن يجب على العقل البشري أن يمعن في تفكيره، ليتفادى ما يجب عليه تفاديه، ويستثمر ما يجب عليه استغلاله. وليفعل في عقله هذه الخاصية كل ما عليه فعله هو التمعن والتأمل في التغذية الفكرية من معلومات وأفكار وبيانات تتجدد على الدوام. تتحدث عن نفسها بتحديثات محدثة وفق المناهج العلمية المختلفة. وتتشكل حسب توجهات أنماطها العلمية، بمصادرها الموثوقة ومراجعها الثابتة غير القابلة للتغيير والتحريف.

المساحة العلمية الشاسعة تحتوي كل هوية تسافر فيها، وتحاكي كل منظومة فكرية أخذت على عاتقها مبدأ الاستفادة والإفادة، الجانب المعلومات يناغي الفكر النهم هذا الذي لا يعرف الاستسلام أو الكسل أو المستحيل أو المثبطات. هذا الفكر أساسا موشوم وبدقة متناهية بعمليات عقلية قابلة للاستيعاب والإدراك، قابلة للتمحيص والتفنيد، قابلة للتحليل والتمحيص، قابلة لكل ما هو غير قابل عند العقول الجاهلة. لا توجد في منظومته الخوف من اللاشيء أو القلق من ماهية مستقبلية مجهولة أو التلوي بالتوتر من الخوف والقلق في ذات الوقت. السلسلة النفسية العصبية داعمة له في التركيز، تنجي أحاسيسه من كل ما هو سببا للموات العصبي الكئيب، دقات قلبه هادئة وموزونة، لا يعاني من ضيق في التنفس، أو التعرق، أو الرجفة؛ لأنه بكل بساطة حصن عقله وفكره بمسلمات الاتزان الفكري المرتبط بخاصية التمازج والتوازن مع ظروف الحياة وتقلبات الأيام المريرة. الفكر النهم لا يهزم ولا يتقهقر ولا يستكين، الفكر النهم ينمو ويتنامى على الدوام وفق إفرازات ذهنية وعصبية مسؤولة عن الثقة والجرأة والعزيمة والإصرار والتفاؤل وكل ما من شأنه أن يحصن العقل والفكر.

بالتأكيد أن خصائصه ومميزاته جلها مستمد ومكتسب من البيئات المختلفة، والمناهج المتنوعة، والمصادر العلمية المتشكلة بتشكيلات المعارف بأنواعها وأشكالها. لذلك تجده سريع التكيف والاندماج مع كل ما يحيط به من ظروف وعوامل. في حقيقة الأمر القناعة الفكرية التي يتميز بها العقل النهم، هي أن المعطيات والمغذيات العقلية متوفرة على الدوام، منها ما هو متناول ببسطاته، وأخرى ما هي محتاجة لبذل الجهود للاستحواذ عليها واستخدامها الاستخدام الأمثل.

وعلى نقيض بعض العقول المتحججة على الدوام بجفاف المعارف وضحالة المعلومات ومثبطات الاستحواذ؛ فالعقل النهم ركيزة وشعلة لا تعرف الانتفاء أو الانكفاء. كل تلك المفاهيم والحقائق معنونة ومرتبطة بالاجتهادات والتضحيات المستمرة، أحيانًا ترى مؤشراتها وفي الأغلب لا تدرك. كمن يُسمى بالجندي المجهول، هكذا هو أهم صفة وميزة يتميز بها العقل النهم الشره لكل ما هو مفيد. مع الأيام المتكررة والكارة تنضح الابتكارات عن واقع متجدد من العلم، وبهذا التكرار والكر ينهل العقل النهم منها التحديثات المواكبة؛ هو لا ينتظر التحديث أصلًا؛ بل يقوم به. ومع كل ما يقوم به يكسب عقولًا أخرى تشاطره، ويتوازى مع فهوم شبيهة يرتقي بها وترتقي به في معالم الفكر والثقافة. بحصانته الفكرية لا يرضى عقله بأن يسيس، ولا يقبل بأن يدس أو يغمس في ضحالة وقتامة المناهج السيئة الضارة. فقد أخذ على عاتقه أمانة الكلمة ونصاعة الفكر وسلامة العقل وجمال المعنى وصدق الضمير؛ لذلك فهو يعيش في أريحية وطمأنينة وسكينة وهدوء وثقة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z