العقل السياسي العُماني.. بين الاستقلال الاستراتيجي وإغراء الاصطفاف

خالد بن سالم الغساني 

 

◄ مراجعة التجربة السياسية لا خلاف عليها من حيث المبدأ

◄ ضرورة التمييز بين الذاكرة الحضارية الوطنية والعقيدة الاستراتيجية للدولة

◄ التاريخ أحد عناصر الهوية وليس برنامجًا سياسيًا لإدارة الحاضر

◄ عُمان لا تمارس العُزلة.. وإنما الاستقلال في المواقف داخل شبكة واسعة من العلاقات

◄ الحديث عن الحياد العُماني يحتاج إلى شيء من التدقيق

◄ عُمان لا تخشَ اتخاذ المواقف.. لكنها تسعى لتجنُّب الاستقطاب

◄ الاستقلال الاستراتيجي وتوازن العلاقات أدق من كلمة الحياد وحدها

◄ ضرورة بناء قوة اقتصادية ومعرفية وتكنولوجية أكبر لمساندة الاستقلال السياسي

 

 

تتردد بين حينٍ وآخر، في بعض النقاشات والكتابات السياسية، دعواتٌ إلى مُراجعة الطريقة التي تنظر بها عُمان إلى موقعها في الإقليم والعالم، انطلاقًا من فكرة تبدو، في ظاهرها، منطقية ومشروعة، وهي أن الأدوات التي نجحت في مرحلة تاريخية مُعينة لا ينبغي أن تتحول إلى مسلمات دائمة، وأن العالم المُتغير يفرض على الدول أن تعيد النظر باستمرار في سياساتها وتحالفاتها وتعريفها لمصالحها.

ولا خلاف، من حيث المبدأ، على ضرورة المراجعة؛ فلا سياسة ينبغي أن تُحصَّن من النقد، ولا تجربة، مهما بلغ نجاحها، تستطيع أن تفترض أن ما خدمها بالأمس سيخدمها غدًا بالطريقة نفسها. غير أنَّ المراجعة الجادة لا تبدأ بالنتائج، وإنما بتشخيص ما يراد مراجعته. وهنا يصبح السؤال التالي ضروريًا: هل السياسة العُمانية تُعاني بالفعل مما ينسبه إليها بعض منتقديها من تعلُّق بالماضي، وميل إلى العزلة والتَّفرد، وتمسُّك بالحياد حتى كاد يتحول من أداة إلى عقيدة؟ أم أننا أمام قراءة تنطلق من تصور مختلف لما ينبغي أن تكون عليه الدولة في مُحيطها، ثم تقيس التجربة العُمانية بذلك التصور؟

من بين الأفكار التي تظهر أحيانًا في هذا السياق أن عُمان لا تزال تنظر إلى نفسها من خلال إرثها التاريخي، ولا سيما امتدادها البحري والسياسي القديم في المحيط الهندي وشرق أفريقيا، وأن استدعاء ذلك الماضي قد يفضي إلى تضخيم تصورها لمكانتها وقدرتها في عالم تغيرت فيه معايير القوة.

غير أن التمييز ضروري هنا بين الذاكرة الوطنية والعقيدة الاستراتيجية للدولة؛ فاحتفاء أمة بتاريخها لا يعني أنها تُدير حاضرها بمنطق ذلك التاريخ، كما أن استحضار الامتداد الحضاري والسياسي القديم لا يعني بالضرورة محاولة استعادته أو بناء تقدير القوة الراهنة عليه.

والأهم أن الممارسة السياسية العُمانية المعاصرة لا تُقدِّم، في واقع الأمر، شواهد كثيرة على مثل هذا التصور. فلا تبدو عُمان دولة تتصرف باعتبارها وريثة إمبراطورية تسعى إلى استعادة مجال نفوذها، ولا تتبنى سياسة خارجية تتجاوز إمكاناتها المادية والديموغرافية. وعلى العكس من ذلك، تبدو تجربتها، في جانب مهم منها، قائمة على إدراك واضح لحدود القوة التقليدية، ومحاولة تعويض محدوديتها بالاستثمار في عناصر أخرى، من مثل الموقع الجغرافي، والاستقرار، والموثوقية، والعلاقات المتوازنة، والقدرة على التواصل مع أطراف يصعب عليها التواصل فيما بينها.

ولهذا فإنَّ التاريخ، في الحالة العُمانية، أقرب إلى أن يكون عنصرًا من عناصر الهوية والوعي بالمكان منه إلى أن يكون برنامجًا سياسيًا لإدارة الحاضر. وإذا كان هناك من يرى غير ذلك، فإنَّ إثبات أثر هذا الحنين التاريخي- إن جاز التعبير- في القرار السياسي أكثر فائدة من افتراض وجوده ثم بناء النقد عليه.

ويظهر الالتباس بصورة أوضح عند وصف السياسة العُمانية بأنها تميل إلى العُزلة أو التفرُّد. فالعزلة، بمعناها السياسي والاستراتيجي، تعني الانكفاء عن المحيط وتقليص دوائر العلاقة والمشاركة. وهذا لا ينسجم كثيرًا مع واقع دولة عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي، ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية قديمة مع قوى غربية، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع إيران، وتطوِّر شراكاتها مع الهند والصين وروسيا، وتوسع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع آسيا وأوروبا والعالم العربي.

ما مارسته عُمان، في الأغلب، ليس العزلة، وإنما الاستقلال في تحديد الموقف داخل شبكة واسعة من العلاقات. والفارق بين الأمرين جوهري؛ فالدولة المعزولة تقل خياراتها، بينما الدولة التي تنوع علاقاتها وتحتفظ باستقلال قرارها تزيد خياراتها. ومن المفارقات أنَّ الدعوة إلى مزيد من الاندماج والتحالفات تُبرر أحيانًا بأن استقلال الدولة يزداد كلما تعدد شركاؤها، بينما تبدو هذه الفكرة نفسها واحدة من الركائز التي قامت عليها السياسة العُمانية منذ عقود.

لم تجعل سلطنة عُمان علاقتها الأمنية بالولايات المتحدة سببًا لخصومة دائمة مع إيران، ولم تجعل علاقتها بطهران سببًا للابتعاد عن محيطها الخليجي، ولم تجعل انتماءها الخليجي مانعًا من بناء علاقات واسعة مع الهند والصين وروسيا، كما لم تجعل علاقتها بأي قوة دولية سببًا لإغلاق الباب أمام قوة أخرى.

وهذه ليست سياسة دولة منعزلة، وإنما سياسة دولة تحاول توسيع دائرة علاقاتها من دون أن تجعل علاقتها بطرف مرهونة بعلاقتها بطرف آخر.

أما الحديث عن الحياد العُماني، فيحتاج بدوره إلى شيء من التدقيق؛ فالحياد بمعناه التقليدي قد يوحي بالوقوف على مسافة واحدة من جميع القضايا، أو الامتناع عن اتخاذ المواقف، وهذا لا يصف السياسة العُمانية بدقة؛ فعُمان اتخذت وتتخذ مواقف واضحة من قضايا المنطقة، ومن القضية الفلسطينية على وجه الخصوص، ومن سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ومن الحروب والنزاعات واستخدام القوة، ومن أمن الخليج وحرية الملاحة وضرورة التسوية السلمية للصراعات.

ما تحاول عُمان تجنُّبه ليس اتخاذ الموقف، وإنما التحول من صاحب موقف إلى طرف دائم في الاستقطاب. وهنا يكمن أحد أهم الفروق التي تضيع أحيانًا في النقاش؛ فمن الممكن أن تختلف دولة مع دولة أخرى من دون أن تجعل منها عدوًا دائمًا، وأن ترفض سياسة معينة من دون أن تقطع قناة الاتصال مع من يمارسها، وأن تنتمي إلى منظومة إقليمية من دون أن تتنازل لهذه المنظومة عن كامل استقلال قرارها.

ولذلك ربما يكون وصف الاستقلال الاستراتيجي وتوازن العلاقات، أدق من كلمة الحياد وحدها؛ فالغاية ليست الوقوف في المنتصف لمجرد الوقوف فيه، وإنما الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة للحركة وحماية المصلحة الوطنية من أن تصبح رهينة لاستقطاب لا تتحكم الدولة في مساراته ولا في نهاياته.

وخلف الدعوة إلى تجاوز هذا النهج يظهر، في أحيان كثيرة، تصوُّر مُعيَّن لمعنى القوة في العلاقات الدولية؛ تصوُّر يُعطي وزنًا كبيرًا للتحالفات الصلبة والتكتلات والقدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. ولا خلاف على أهمية هذه العناصر؛ بل إنَّ مستقبل عُمان نفسه يتطلب تعزيزها، خصوصًا في الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والقدرات الوطنية.

لكن الدول لا تُنتج قوتها بالطريقة نفسها، ولا تستطيع جميعها أن تنافس بالأدوات نفسها؛ فالدولة المتوسطة أو المحدودة السكان لا تستطيع أن تقيس نفسها بالقوى الكبرى في حجم الجيوش أو الأسواق أو السكان. والاستراتيجية الرشيدة لا تبدأ بتمني امتلاك ما يملكه الآخرون، وإنما بمعرفة ما تملكه الدولة بالفعل، وما تستطيع تحويله إلى ميزة نسبية.

 

وقد استطاعت عُمان أن تُحوِّل بعض عناصرها التي قد تبدو ساكنة، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها وسُمعتها السياسية وقدرتها على الوصول إلى أطراف متعارضة، إلى أدوات نفوذ تتجاوز أحيانًا حجمها المادي. ومن هنا اكتسبت سلطنة عُمان قدرتها على استضافة مفاوضات واتصالات ووساطات تعذَّر إجراؤها في عواصم أخرى.

ولا ينبغي المبالغة في قيمة الوساطة أو تحويلها هي الأخرى إلى عقيدة؛ فالوساطة ليست غاية في ذاتها، ولا تكون ذات قيمة إلا بمقدار ما تخدم مصالح الدولة وأمنها وموقعها. لكنها، في الحالة العُمانية، تكشف أنَّ عدم الاصطفاف الكامل ليس بالضرورة امتناعًا عن ممارسة القوة، وإنما قد يكون مصدرًا لنوع مختلف منها؛ فالدولة لا تصبح مؤثرة فقط عندما تستطيع الضغط على الآخرين، وإنما أيضًا عندما يحتاج إليها الآخرون.

ومن هنا تستحق الدعوة إلى تحالفات أكثر صلابة نقاشًا أعمق من مجرد اعتبارها انتقالًا طبيعيًا نحو مزيد من القوة؛ فالتحالفات ليست قوة مجانية، لأن كل تحالف يمنح الدولة شيئًا، لكنه قد يأخذ منها شيئًا أيضًا. قد يمنحها حماية أكبر، لكنه يُقلِّص حرية حركتها. وقد يزيد قدرتها الجماعية على الردع، لكنه يحمل إليها خصومات شركائها. وقد يُقوِّي موقعها داخل كتلة، لكنه يضعف قدرتها على التواصل مع الكتلة المقابلة.

ولهذا لا يكون السؤال الجاد: هل التحالف أفضل من عدم التحالف؟ وإنما: ماذا ستكسب عُمان من الانتقال إلى اصطفاف أكثر صلابة، وماذا ستفقد في المقابل؟

إذا دخلت دولة مثل عُمان في اصطفاف إقليمي حاد ضد إيران- على سبيل المثال- فقد تُحقِّق مكاسب معينة داخل منظومة أمنية أكثر تماسكًا، لكنها ستفقد في الوقت نفسه جزءًا من قدرتها على إدارة علاقتها المباشرة مع جارٍ مهم على الضفة الأخرى من مضيق هرمز، وقد تفقد كذلك مساحة سياسية بنتها خلال عقود، ومكنتها من مخاطبة أطراف متعارضة في أوقات الأزمات.

والمعادلة نفسها تنطبق على القوى الدولية؛ فالاقتراب الكامل من محور دولي يعني، بدرجات متفاوتة، الابتعاد عن محور آخر. أما السياسة العُمانية فقد حاولت، ما استطاعت، ألا تجعل الاختيار بين القوى الكبرى اختيارًا صفريًا.

وهنا نصل إلى جوهر النقاش.

فما يُطرح أحيانًا بوصفه دعوة إلى تحديث السياسة العُمانية قد يُخفي في داخله تفضيلًا لنموذج استراتيجي مختلف؛ نموذج الدولة الأكثر اندماجًا في الكُتل، والأكثر ارتباطًا بتحالفات أمنية وسياسية صلبة، والأكثر استعدادًا للاصطفاف عندما يشتد الاستقطاب.

وهذا نموذج مشروع، ويمكن الدفاع عنه، لكنه ليس النموذج الوحيد للسياسة الحديثة، كما أن عدم الأخذ به لا يعني بالضرورة البقاء أسيرًا للماضي.

وفي مُقابله يوجد نموذج آخر يقوم على الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشركاء، وتجنب تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة دائمة، والاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع الأطراف المتنافسة. وهذا أيضًا نموذج معاصر تمارسه دول مختلفة، كلٌ وفق ظروفها وحجمها ومصالحها.

وعند النظر إلى عُمان تحديدًا، تصبح الجغرافيا جزءًا لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة؛ فهي دولة تقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتشترك مع إيران في الإشراف على مضيق هرمز، وتنتمي سياسيًا وأمنيًا إلى محيطها الخليجي، وتمتد مصالحها تاريخيًا واقتصاديًا نحو المحيط الهندي وآسيا وشرق أفريقيا، وترتبط في الوقت نفسه بعلاقات استراتيجية مع الغرب.

هذه الجغرافيا يمكن أن تدفع دولة إلى اختيار الخندق، لكنها يمكن أيضًا أن تجعل قدرتها على البقاء جسرًا بين الخنادق، أصلًا استراتيجيًا ينبغي التفكير طويلًا قبل التفريط فيه؛ بل إن ازدياد الاستقطاب الدولي والإقليمي قد يقود إلى نتيجة مُعاكِسة لما يذهب إليه بعض منتقدي السياسة العُمانية. فإذا قَلَّتْ الدول القادرة على مخاطبة الجميع، وتعذَّر التواصل المباشر بين الخصوم، فإن قيمة الطرف القادر على الاحتفاظ بعلاقة مع الجميع لا تنخفض بالضرورة، وإنما قد ترتفع.

كلما ازدادت الخنادق، ازدادت الحاجة إلى الجسور.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن الاستقلال الاستراتيجي لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى تقديس للتجربة العُمانية أو افتراض صلاحية أدواتها إلى الأبد؛ فالسياسة التي لا تقبل المراجعة تتحول مع الزمن من خبرة إلى عبء، مهما كانت ناجحة في بدايتها.

وثمَّة أسئلة عُمانية حقيقية تستحق النقاش؛ مثل: هل تملك البلاد قاعدة كافية لإنتاج المعرفة الاستراتيجية؟ هل مراكز الدراسات والجامعات ومؤسسات البحث قادرة على بناء سيناريوهات عميقة للتحولات المقبلة؟ هل يوجد نقاش وطني واسع بما يكفي لاختبار الفرضيات السياسية والاقتصادية والأمنية؟ وهل يجري تطوير أدوات السياسة الخارجية بالسرعة نفسها التي تتغير بها البيئة المحيطة؟

هذه أسئلة أكثر أهمية من اختزال المشكلة في الحياد أو التفرُّد.

عُمان تحتاج إلى اقتصاد أكثر تنافسية، وقاعدة معرفية وتكنولوجية أوسع، وقدرات دفاعية وأمنية مُوَاكِبة، ومؤسسات بحث واستشراف أكثر حضورًا، وشراكات اقتصادية وسياسية متنوعة. لكن أيًّا من ذلك لا يستلزم بالضرورة التخلي عن استقلالها الاستراتيجي؛ بل لعل التحدي الحقيقي يكمن في بناء قوة اقتصادية ومعرفية وتكنولوجية أكبر تسند ذلك الاستقلال وتحميه.

ومن هنا ينبغي ألا يكون السؤال: كيف تتحرر عُمان من سياستها القديمة؟ والأجدى أن يكون: كيف تطوِّر عُمان سياستها بحيث تحتفظ بما أثبت قيمته منها، وتتخلى عما تجاوزه الزمن، وتُضيف إليه ما يفرضه العالم الجديد؟

فالفرق كبير بين تطوير المدرسة السياسية وبين مغادرتها، وبين مراجعة الأدوات وبين استبدال الفلسفة التي تقف خلفها، وبين توسيع الشراكات وبين الارتهان لمنظومة اصطفاف جديدة.

ومن المشروع تمامًا أن نسأل: هل ما نجح بالأمس سيظل صالحًا للغد؟

لكن الإنصاف الاستراتيجي يقتضي أن نضع إلى جوار هذا السؤال سؤالًا آخر: هل ما يفعله الآخرون اليوم هو بالضرورة ما يصلح لعُمان غدًا؟

الاستراتيجية ليست فن اللحاق بالاتجاه السائد، وإنما القدرة على معرفة أين تكمن المصلحة الوطنية عندما يتجه الآخرون جميعًا في اتجاه معين.

وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يشغل العقل السياسي العُماني في المرحلة المقبلة ليس مع أي محور ينبغي أن نصطف؟ ولا كيف نبقى على مسافة واحدة من الجميع مهما تغيرت الظروف؟ بل سؤال أكثر صعوبة من الاثنين: كيف تبني عُمان من القوة ما يكفي لحماية استقلال قرارها، ومن العلاقات ما يكفي لتعدد خياراتها، ومن المرونة ما يسمح لها بتغيير أدواتها عندما تتغير مصالحها، من دون أن تجعل أمنها ومستقبلها رهينة خندق واحد؟

ذلك في جوهره، ليس دفاعًا عن الماضي، ولا خوفًا من المستقبل.. إنه المعنى الحقيقي لأن تكون للدولة سياستها الخاصة.

الأكثر قراءة

z