رصد نباتي جديد في الطبيعة العُمانية

"بازلاء الفراشة البيضاء" بجبل القمر

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب

 

في غابات الأمطار الموسمية في غرب ظفار؛ حيث تتعانق السفوح الخضراء مع الجروف الصخرية المطلة على بحر العرب، تظهر بين حين وآخر نباتات تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، ومن بين هذه المشاهد جاء رصد نبات (Clitoria ternatea L)، بأزهار بيضاء، ناميًا بصورة طبيعية في أكثر من موقع على تخوم جبل القمر الجنوبية المحاذية للساحل، بالقرب من محمية خرفوت.

لم يكن اللافت في هذا الرصد اسم النبات فحسب، وإنما ظهوره في موطن طبيعي بعيد عن التجمعات البشرية والأنشطة الزراعية، وسط كثافة نباتية وفي مواقع صخرية وعرة تطل على البحر، وقد رصدته في أكثر من موقع، الأمر الذي يجعل هذا الرصد جديرًا بالدراسة، وليس مجرد مشاهدة لنبات منفرد.

ينتمي (Clitoria ternatea) إلى الفصيلة البقولية، وهو نبات معروف عالميًا، ويشتهر بأزهاره الزرقاء، كما توجد منه أشكال ذات أزهار وردية وبيضاء في مناطق مختلفة من العالم، ولذلك فإن أهمية الرصد في ظفار لا تكمن في اكتشاف نبات أبيض الأزهار للمرة الأولى على مستوى العالم، وإنما في رصد وجود هذا النمط أبيض الأزهار ناميًا بريًا في الطبيعة لأول مرة في سلطنة عُمان، وفق ما هو معروف حتى الآن.

وهذا التفريق مهم في العمل النباتي؛ فهناك فرق بين اكتشاف نوع جديد للعلم، وبين رصد نوع معروف في منطقة جغرافية لم يكن وجوده فيها معروفًا من قبل، كما أن وجود الصفة البيضاء في مناطق أخرى من العالم لا ينتقص من قيمة رصدها في السلطنة، بل يضيف إلى معرفتنا بتوزيع النبات وصفاته وموائله الطبيعية.

في 25 أغسطس 2026، رَصَدْتُ النباتَ لأول مرةٍ في مواقع طبيعية برفقة خبراء النباتات الأستاذ علي سالم عكعاك والمهندس عبدالحكيم بيت سعيد؛ حيث ينمو بين الجروف الصخرية والغطاء النباتي الكثيف في بيئة تتأثر بالأمطار الموسمية، وعلى السفوح الجنوبية لجبل القمر المطلة على بحر العرب. كما أن غياب التجمعات البشرية في هذه المواقع يجعل الرصد أكثر أهمية عند دراسة ما إذا كان وجود النبات يمثل انتشارًا طبيعيًا في المنطقة، وليس مجرد وجود مرتبطًا بالزراعة أو النقل البشري.

والرصد في أكثر من موقع يفتح بابًا لأسئلة علمية أخرى، ما مدى انتشار هذه النباتات في غرب ظفار؟ وهل توجد جماعات برية أخرى لم تُرصد بعد؟ وهل صفة الأزهار البيضاء ثابتة في النباتات البرية الموجودة هناك؟ وهل تمثل هذه الجماعات مصدرًا وراثيًا يستحق مزيدًا من الدراسة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال صورة واحدة أو مشاهدة عابرة، وإنما تحتاج إلى استمرار المسح الميداني، ورصد النباتات في مواقعها، ودراسة صفاتها المورفولوجية، ومقارنتها بما هو معروف عن النوع في موائله المختلفة.

وتظل غابات الأمطار الموسمية في غرب ظفار من البيئات التي تستحق مزيدًا من الاهتمام البحثي، فكلما تعمق الباحث في الجبال والسفوح والجروف الساحلية، ظهرت تفاصيل جديدة في المشهد النباتي، وقد لا تكون هذه التفاصيل أنواعًا جديدة للعالم، لكنها قد تمثل سجلات جديدة للسلطنة، أو امتدادات جغرافية غير معروفة، أو صفات مميزة تستحق الدراسة.

إن قيمة الرصد النباتي لا تقاس دائمًا بمدى غرابة النبات أو كونه جديدًا على العالم، فأحيانًا تكون القيمة في أن يكون الباحث أول من يراه في موطنه، ويرصد وجوده، ويحدد موقعه، ويضعه أمام المختصين ليكون بداية لدراسة أوسع.

وهذا ما يمثله رصد (Clitoria ternatea) أبيض الأزهار في غابات الأمطار الموسمية غرب ظفار، نبات معروف عالميًا، لكن وجوده بهذا الشكل ناميًا بريًا في الطبيعة العُمانية يمثل رصدًا نباتيًا جديدًا يضيف صفحة أخرى إلى التنوع النباتي في سلطنة عُمان.

صضور (5).jpeg
صضور (4).jpeg
صضور (2).jpeg
صضور (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z