حاتم الطائي
◄ "الدبلوماسية الاقتصادية" نهج سامٍ لبناء شراكات دولية متعددة
◄ تنمية العلاقات مع الدول الإفريقية تفتح مجالات أوسع للاستثمارات
◄ جهود "جهاز الاستثمار" تخدم المصلحة الوطنية وتُعمِّق "البُعد العُماني"
ترجمتْ الزيارةُ الساميةُ لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى كلٍ من جمهوريتيْ بوتسوانا وأنجولا، نهج الدبلوماسية الاقتصادية، وحرص عُمان- في ظل مسيرة نهضتها المُتجددة- على أن تفتح آفاقًا واعدة للشراكات الاقتصادية والاستثمارية، انطلاقًا من الإيمان الراسخ بأنَّ استقرار وازدهار الدول ينبع من العمل المشترك القائم على تحقيق المصالح والمنفعة للجميع.
هاتان الزيارتان الناجحتان تأتيان في وقت تشهد فيه منطقتنا اضطرابات وقلاقل تسببت في أزمة ملاحية وتعطل في سلاسل الإمداد والتوريد، وهو ما يُسلِّط الضوء على الموقع الاستراتيجي لعُمان البعيد عن المضائق البحرية والمسارات المُختنقة. أيضًا الزيارتان تعكسان الرؤية الثاقبة لجلالة عاهل البلاد المفدى، للقارة الإفريقية، لما تتميز به من ثروات معدنية وزراعية وحيوانية، فضلًا عن كونها سوقًا يضم أكثر من 1.5 مليار نسمة، بالتوازي مع تقارير مؤسسية تفيد بحاجة الدول الإفريقية لضخ استثمارات في مشاريع البنية الأساسية وحدها بما يصل إلى 155 مليار دولار.
وهذه الأرقام الكبيرة تضعنا أمام عدة حقائق؛ أولًا: أن الكثير من دول القارة الإفريقية تمثل أسواقًا واعدة للغاية، في ظل ما تعانيه من نقص في الخدمات وتعطش للاستثمارات، ومن ثم فإنَّ توجيه استثمارات استراتيجية لهذه الدول يعود بالنفع والأرباح. ثانيًا: الثروات المعدنية والطبيعية والأراضي الصالحة للزراعة في هذه الدول تجعلها قبلة للاستثمار، وبوابة للفرص، لا سيما إذا ما اقترنت اتفاقيات الاستثمار بمتابعة ودعم مباشر من القيادات السياسية، وضمان حمايتها بموجب اتفاقيات حماية الاستثمارات المتبادلة. ثالثًا: تزخر هذه الدول بثروة بشرية متنوعة المهارات، وخاصة في مجال التعدين والزراعة؛ فالكثير من أبناء المجتمعات الإفريقية يعملون في الزراعة، ومن ثم فقد اكتسبوا خبرات كبيرة تؤهلهم للعمل بكفاءة في أي مشروع زراعي استثماري. رابعًا: القارة الإفريقية بيئة خصبة للممرات الاقتصادية ونافذة تصديرية لأسواق تتجاوز حدودها؛ فبفضل وقوع عدد من الدول، مثل أنجولا، على المحيط الأطلسي، فإنَّ ثمة فرص لفتح خطوط تصدير إلى أوروبا والأمريكتين.
وبفضل الرؤية السامية القائمة على استشراف المستقبل وتوظيف الإمكانيات العُمانية بما في ذلك العلاقات الطيبة مع هذه الدول، والتي ترتكز على إرث تاريخي من الوجود العُماني في القارة السمراء، فإنَّ آفاق المستقبل الاستثماري والاقتصادي مع هذه الدول يحمل الخير للجميع، ويؤكد أن مساعي تعزيز العلاقات ستؤتي أكلها عاجلًا وليس آجلًا. ولذلك شهدت الزيارة السامية إلى كل من بوتسوانا وأنجولا التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم والاتفاق والبرامج التنفيذية، وكلها تستهدف تنفيذ مشروعات اقتصادية في مجالات الطاقة المتجددة والتعدين والاستثمار واللوجستيات، وفي أنجولا وحدها بلغت الاتفاقيات الموقعة أكثر من 1.5 مليار دولار، وهي بداية مثالية لاستثمارات نوعية بين البلدين، وتمهد الطريق لمزيد من الاستثمارات.
والحقيقة أننا في هذا الجانب، لا بُد أن نُحيي عاليًا الجهود التي يبذلها جهاز الاستثمار العُماني، الذي يقود دفة الاستثمارات العُمانية في الخارج، من خلال محفظة الأجيال، التي تضخ استثمارات ذات عوائد لافتة في أكثر من 50 دولة حول العالم، عبر مجموعة من الشركات العملاقة التي تُديرها كفاءات عُمانية، تقود المشهد الاستثماري الخارجي. ولنا في الاستثمار المشترك مع شركة "تمبل ووتر" الصينية، مثال رائع على دور الاستثمارات الخارجية في تحقيق منافع متبادلة، خاصة وأنَّ هذه الصفقة تحديدًا التي عُقدت بالشراكة مع هيئة الابتكار والتقنية في هونج كونج، يلتزم بموجبها الجهاز بنسبة 25% من رأس مال صندوق "تمبل ووتر للابتكار"، وهذا مقابل أن يخصص الصندوق 50% من حجمه للاستثمار في عدد من القطاعات الواعدة بسلطنة عُمان؛ الأمر الذي يُسهم في تحقيق "البُعد العُماني"، وهو أحد المستهدفات الوطنية من استثمارات الجهاز.
وثمة قطاعات واعدة في الدول الإفريقية نستطيع أن نضخ فيها المزيد من الاستثمارات، لا سيما القطاعات التي تتوافق مع احتياجاتنا التنموية وخططنا الاستراتيجية وعلى رأسها رؤية "عُمان 2040"، مثل قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية والتخزين والتبريد والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب قطاع التعدين، خاصةً وأن دولًا إفريقية مثل أنجولا غنية بالألماس.
والتوجه نحو إفريقيا لا يرتبط فقط بالاستثمارات الواعدة والفرص الاقتصادية المأمولة، لكنه في الوقت نفسه يرتكز على إرث حضاري ربط قارتي آسيا وإفريقيا، تحت مظلة الإمبراطورية العُمانية، ونجح العُمانيون في توثيق عرى الشراكة والتعاون والبناء مع هذه الشعوب. كما أن المؤشرات العالمية تؤكد أن إفريقيا تمثل مستقبل العالم، فالقوة البشرية الفتية والموارد الطبيعية المتعددة وآفاق النمو الاستهلاكي، كلها تمثل عوامل جاذبة لبناء نموذج اقتصادي مُستدام ينشر التنمية في ربوع هذه الدول.
ويبقى القول.. إنَّ النهج السامي لجلالة السلطان المعظم، بتبني الدبلوماسية الاقتصادية، يمثل مسارًا نوعيًا لبناء شراكات متعددة قائمة على تحقيق المنافع المشتركة عبر ضخ الاستثمارات الثنائية، وتعظيم الفوائد المتحققة من العلاقات الدبلوماسية، حتى لا تظل حبيسة البروتوكولات والاستقبالات الرسمية، وأن تتعداها لما فيه مصلحة الشعوب وازدهار معيشتها وتنمية اقتصادات الدول وضمان استدامتها.
