د. شيرين النوساني **
قراءة في قصيدة "الغدوة" من ديوان «مُعْجَم الغِين» للشاعر علاء عبد الهادي **
*****
ثَمَّةَ ما يُكْتَبُ في سطورٍ قليلة، فلا ينتهي عند الحرف الأخير، بل يترك خلفه بابًا موارَبًا على التأويل، شيئًا يشبه الضوءَ، لكن ليس ذلك الضوءَ الذي يكشف الأشياء وينفض عنها غموضها؛ بل ضوءًا مريبًا، يبقى في النفس كأثرٍ يأبى أن يُمحى.
هذا ما تنهض به قصيدة «الغُدْوَة».
منذ أول كلمةٍ في العنوان، يبدو النص كأنه يمضي نحو الصباح، كما يتجه النهر إلى مصبه. و«الغُدْوَة» في معناها اللغوي زمن مبكر من النهار، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، مقرون بالحركة والانطلاق. لكنها في القصيدة لا تفتح طريقًا، بل تشق جرحًا. فالصباح الذي اعتدنا أن نراه وعدًا بميلادٍ جديد، يتبدى هنا بوصفه دورانًا لا يبرح نقطته. والكلمة التراثية «الغُدْوَة»، بما تحمله من وعدٍ بالحركة، تنقلب إلى علامةٍ على الثبات.
يستفتح الشاعر النص من «البشر»:
«البَشَرُ يقْفِلُونَ العُيُونَ الجَائِعَةَ كَيْ تَنَامَ»
لكن أي عيونٍ هذه التي تحتاج إلى أن تُقْفَل؟ إنها عيون «جائعة»، لا متعبة. واختيار «الجائعة» لوصف العيون اختيار دال، فالجوع هنا أكثر من حاجةٍ إلى النوم؛ إنه اعتراف بأن العين لا ينطفئ تطلعها، وإن طال الليل، وأن الرؤية نفسها قد تكون ضربًا من الاستهلاك. الإنسان يرى، فيمتلئ، حتى إذا أثقله ما رأى، فيُطْبِق عينيه.
ولعلَّ فعل «يقْفِلُونَ» هو أول ما يشي بأنَّ النوم في القصيدة ليس راحةً خالصة. فالإقفال فعل دفاع؛ كأن العين باب، ووراءه شيء ينبغي ألا يبقى خارجًا.
ثم ينهض البشر.
وهنا كان بوسع النص أن يرتد إلى مألوف الصورة: يشرئب إلى الضوء، وينجلي الليل. غير أن الشاعر يختار أن يغير وجه المشهد، فيغدو المألوف غريبًا:
«يمنحون الليلَ.. فريسةً سهلةً للضياءِ الخبيثِ»
ليست هذه مجرد استعارةٍ للضوء، بل إعادة تشكيلٍ كاملةٍ لخريطة الأدوار.
الليل، الذي دأبنا أن نسكنه في سرمد العتمة وندرجه في خالدة الخوف، يغدو «فريسةً» ويصير صيدًا لا صائدًا. والضوء، الذي ألفنا أن نودعه خانة الخلاص والحقيقة، كأنه وُلد ليكون هناك، ينقلب من مأكولٍ إلى آكل.
إنها مفارقة القصيدة المركزية: ما ينبغي أن ينقذ قد يكون هو نفسه ما يفترس.
والصفة «الخبيث» تفعل أكثر مما تفعله استعارة الافتراس وحدها. فالضوء لا يهاجم فحسب، وإنما يهاجم بمكر. كأنَّ الصباح يدرك أن ضحيته ستقوم إليه طوعًا، وأنها ستفتح له أبوابها من تلقاء نفسها، كأنها تسلمه نفسها بنفسها.
هنا لا يعود الصباح حادثًا طبيعيًا؛ بل يصبح قدرًا.
ثم يأتي الانفصال:
«أما أنا»
كلمتان فقط، لكنهما تفصلان عالمين، كأنهما حد بين بحرين لا يلتقيان.
هناك «البشر»، وهناك «أنا». هناك من يواجه الليل بإغلاق العين، وهناك ذات لها طريقتها الأخرى في مواجهة الصباح.
ولذلك لا يقول المتكلم: «وأنا أيضًا...»، بل يقول: «أما أنا». كأن اختلافه ليس تفصيلًا، بل جوهر التجربة.
وإذا كان النص يبدأ جماعيًا بـ«البشر»، فإنه ينتهي فرديًا بـ«أنا». والبشر يفعلون: يقفلون، ينهضون، يمنحون. والأنا تفعل: أمسح. لكن فعل البشر منتظم في زمن الجماعة، وفعل الأنا منتظم في زمن الفرد. وهذا التوازي، لا الانفصال وحده، هو ما يجعل «أما أنا» قطعًا لا انفصالًا فقط.
و«أنا» هنا لا تحمل علامةً جندرية. هي إنسان قبل أن تكون رجلًا أو امرأة. وهذا الانفتاح هو ما يجعلها تتسع لكل قارئ.
ثم تأتي العبارة:
«فلم أزل...»
وكأن الألم لا ينتمي إلى الآن، وإنما كان يقع قبل الآن وسيستمر بعده. إنها صيغة الاستمرار، لكنها هنا تكتسب دلالةً نفسية: المتكلم لا يعيش حدثًا؛ إنما يعيش صداه المتكرر.
وفي هذا التكرار تصبح الغُدْوَةُ حلقةً مغلقة.
كل صباحٍ يستنسخ الصورة نفسها، وكل صباحٍ يستدعي الفعل نفسه:
«أمسح شرفتي»
الشرفة في ذاتها فضاء مفتوح. إنها الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم. مكان للرؤية، وللهواء، ولانتظار ما سيأتي من بعيد.
لكن الشاعر لا يقف على شرفته ليرى الصباح؛ إنه يمسحها منه.
هذه الحركة الصغيرة هي قلب النص.
فالضوء، الذي لا يمكن الإمساك به عادةً، يصبح هنا مادةً تترك أثرًا. ليس شعاعًا، بل «بقعة». والبقعة بطبيعتها شيء عارض، شيء لا ينتمي إلى السطح الذي استوطنته، وشيء يستفز الرغبة في التنظيف.
«من بقعة الضوء»
كم هو غريب أن يتحول الضوء إلى بقعة.
فالظلمة لا تترك بقعةً في الوعي عادةً؛ الذي يترك أثرًا هو الشيء الذي انكشف. ربما لأن الضوء لا يؤلم لكونه ضوءًا، وإنما لأنه يكشف ما كان من الممكن أن يظل مخفيًا.
وهنا تتسع القصيدة.
لعلَّ الضوء في النص ليس نور النهار فحسب، بل قد يكون الحقيقة التي تنزع عن الأشياء أقنعتها. وربما يكون الوعي. وربما يكون الذاكرة حين تستدعي ما حاولنا دفنه. وربما يكون انكشافًا لا نملك بعده ترف الجهل.
فالإنسان يستطيع أن يغلق عينيه عن شيء، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمحو ما رأته عيناه.
ومن هذا المنظور يصير «مسحُ الشرفة» فعلًا عبثيًا، لكنه ليس فعلًا بلا مغزى. المتكلم يدرك، على الأرجح، أن البقعة ستعود. كأن في المسح معنى، لا في النتيجة.
وإذا كان النص قصيرًا، فإنه مبني على تكرار («في كل صبح») وقطع («أما أنا»). التكرار هنا ليس حشوًا، بل دلالة: الصباح، والمسح، والعبث، كلها تتكرر. والقطع فاصل بين عالمين.
وهذا ما يجعل الخاتمة موجعة:
«دون جدوى.»
ليست الخاتمة «لم أستطع»، ولا «لم أفلح»، وإنما «دون جدوى». ثَمَّةَ محاولة، وثَمَّةَ فعل، وثَمَّةَ حركة، غير أن النتيجةَ محسومة سلفًا، كأننا نمسح ظلًّا لن يزول.
والأشد إيلامًا أن الشاعر لم يقل إن البقعة لا تزول؛ بل جعل المتكلم يمسحها كل صباح. أي أن العبث نفسه صار عادة.
هنا تتحول القصيدة من صورةٍ شعرية إلى حالةٍ وجودية: أن تعرف أن الشيء سيتكرر، وأن تقوم مع ذلك بالفعل نفسه.
إنها ليست مأساة العجز وحده، بل مأساة التكرار.
ولعلَّ هذا يفسر لماذا لا تحتاج القصيدة إلى تسمية الألم. فلو سماه لفقد جزءًا من غموضه وقوته. يكفي أن نرى ذاتًا تستيقظ كل صباح وتمسح عن شرفتها بقعةً من الضوء.
ما الذي يريد أن يمحوه؟
النص لا يجيب.
ليست الإجابة هنا نقصًا، بل هي ما يمنح النص جماله.
لأن القارئ يستطيع أن يضع تجربته الخاصة مكان هذه «البقعة». ربَّ ألمٍ يؤلمك هو نفسه ما يؤلمني. لكننا نعرف جميعًا، بدرجاتٍ مختلفة، معنى أن تأتي لحظة انكشافٍ بعد أن كنا نفضل العتمةَ ونستجير من الضوء، ومعنى أن نحاول تطهير مكانٍ ما من أثرٍ لا يقر بجهودنا.
لكن النص لا يجيب. وهو لا يجب أن يجيب. لأن الاحتمال الآخر، الضوء كدعوة، والمسح كطقس، يبقى مفتوحًا. والقراءة التي تغلقه قد تربح الوضوح، لكنها تخسر ما يمنحه النص من تعدد.
لهذا تبدو «الغُدْوَة» قصيدةً عن الصباح، فيما هي في العمق قصيدةٌ عما يصنعه الصباح بما تبقّى من الليل.
والليل هنا ليس عدوًا بالضرورة. ربما كان سترًا. ربما كان هدنة. وربما كان المساحة الوحيدة التي استطاع فيها المتكلم أن يُرجئ مواجهة ما يعرف.
أما النهار، فيُطْبِق عليه من كل جهة، ولا يهبه سكونًا.
إنه يأتي.
والضوء يأتي معه.
ثم يترك بقعته.
وفي واحدةٍ من أكثر المفارقات قسوةً وإيلامًا، يصبح السؤال الذي تقترحه القصيدة دون أن تجهر به:
ماذا لو كان الخلاص الذي ننتظره هو عين ما نخشى أن يأتي؟
عند هذه النقطة تحديدًا، ينسل «الضوءُ الخبيث» من حدود الصورة البلاغية ليصير فكرة. فالضوء ليس شرًّا في ذاته؛ إنما يستحيل خبيثًا حين يكون ما يجليه أكثر قسوةً من الظلام الذي كان يستره ويخفيه.
وهكذا تُطوى القصيدة كما انفتحت: بين عينٍ تُقْفَل، وضوءٍ يُمْسَح.
لكن شيئًا واحدًا يتبدل بين المبدأ والمنتهى: في البداية يقفل البشر أعينهم كي يناموا؛ وفي النهاية يظل «أنا» وحده مستيقظًا، يمسح شرفته.
وكأن النوم قد أوصد بابه، والمحو أيضًا لم تبق له سبيل.
في النهاية يبقى فقط الصباح.
ويبقى الضوء.
وتبقى البقعة.
دون جدوى.
───
ملحق: نص القصيدة
الغُدْوَة
البَشَرُ يقْفِلُونَ العُيُونَ الجَائِعَةَ كَيْ تَنَامَ،
وَحِينَ يَنْهَضُونَ.. يَمْنَحُونَ اللَّيْلَ..
فَرِيسَةً سَهْلَةً لِلضِّيَاءِ الْخَبِيثِ.
أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَزَلْ..
أَمْسَحُ شُرْفَتِي،
فِي كُلِّ صُبْحٍ،
مِنْ بُقْعَةِ الضَّوْءِ..
دُونَ جَدْوَى.. !
***************
** علاء عبد الهادي، شاعرٌ وأكاديميٌّ ومفكّرٌ مصريٌّ من مواليد طنطا، الغربية، 1956. حصل على دكتوراه الفلسفة في النقد الأدبي، لغةً عربيةً، تخصص الأدب المقارن، من أكاديمية العلوم المجرية. شارك في مناقشة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، في النقد الأدبي وفي الأدب المقارن. له 41 كتابًا تحريريًّا وترجمةً عن الإنجليزية والمجرية. فاز بعدة جوائز دولية، وصدرت عنه سبعةُ كتبٍ تناولت أعماله، كما تُرجمت قصائدُه إلى أكثر من عشرين لغة.
** مترجمة وناقدة وأستاذة جامعية مصرية
