خليل بن عبدالله الخنجي **
أعود إلى هذا الموضوع مجددًا وبي حسرة كبيرة لأنه بعد مرور نحو ربع قرن على اتخاذ واحد من أهم القرارات الهادفة إلى توطين الأنشطة التجارية وفتح أبواب العمل الحر أمام المواطنين، وهو قرار تعمين وتجارة بيع المواد الغذائية بالتجزئة الذي انطلقت ملامحه من أروقة ندوة تشغيل القوى العاملة الوطنية الأولى، المنعقدة عام 2001 في سيح الطيبات بولاية صحم، تحت الرعاية السامية للمغفور له- بإذن الله تعالى- السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه.
جاء القرار في وقت كانت فيه تجارة المواد الغذائية، ولا سيما محلات البقالة المنتشرة في الأحياء السكنية، تدار جلها بواسطة عمالة وافدة. وقد أدرك المجتمعون أهمية هذا القطاع؛ فهو يرتبط مباشرة بحياة الناس اليومية، ويتمتع بطلب مستقر، ويمكن أن يوفر مصدر دخل كريمًا لآلاف المواطنين مستذكرين أن بيع المواد الغذائية أصلًا كان يديره العمانيون حتى العام 1975.
مشروع وطني متكامل
لم يكن توطين محلات بيع المواد الغذائية إجراءً إداريًا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًا سبقته دراسات ميدانية شملت مختلف ولايات سلطنة عُمان، وأعقبتها خطة متدرجة لتوطين محلات البقالة وإدارتها بأيدٍ عُمانية.
وقد تمَّ التوصل إلى هذا القرار بناءً على ما جاء في بيان وزارة التجارة والصناعة خلال الندوة ذاتها؛ وذلك بوجود قرابة 30 ألف سجل تجاري للمواد الغذائية، إثر ذلك تم إجراء مسح كامل للسوق العُماني لتلك السجلات؛ حيث تبين أن 10 آلاف منها نشطة بمعنى تجارة قائمة. وعلى ضوء القرار، وضع برنامج تنفيذي لإنجاز ذلك بدءًا بتعمين محلات بيع المواد الغذائية في أربع ولايات وهي نزوى ونخل والرستاق وقريات، واستمر تنفيذ هذا البرنامج خلال عدة سنوات صاحبه تنفيذ مجموعة من البرامج المساندة لتدريب الباعة والملاك لهذه البقالات مثل المحاسبة وكيفية ترتيب المواد داخل المحل والتسويق حتى اكتمال التعمين في جميع الولايات.
كما اتُّخذت إجراءات لمكافحة التجارة المستترة ومنع عودة العمالة الوافدة إلى ممارسة النشاط في المحلات المشمولة بالتعمين؛ حتى لا تتحول المشروعات المخصصة للمواطنين إلى واجهات شكلية تُدار فعليًا من غيرهم.
وبفضل هذه الجهود، وصل عدد محلات البقالة التي تدار بأيدٍ عُمانية إلى نحو 6 آلاف محل موزعة على مختلف ولايات السلطنة. وكان ذلك إنجازًا يؤكد أن توطين هذا القطاع ممكن متى توافرت الإرادة والتنظيم والتمويل والمتابعة وأثبت أن هذا الجهد بعدم نقص التموين ولا تأخر الإمدادات إلى المستهلك.
بداية التراجع واتساع الاستثناءات
لكن هذا الإنجاز لم يحافظ على زخمه؛ إذ بدأ المشروع يتراجع تدريجيًا على مدى سنوات. وكانت إحدى نقاط التحول المهمة السماح للمتاجِر المصنفة ضمن فئة «السوبرماركت» بمساحة لا تقل عن 200 متر مربع لكل محل بتوظيف عمالة وافدة. وهنا بدأت مزاحمة البقالات القائمة بإدارات عُمانية.
وربما بدا هذا الاستثناء عند إقراره محدودًا ومبررًا باحتياجات المتاجر الأكبر، لكنه أحدث عمليًا ثغرة في منظومة التوطين؛ إذ أصبح من الممكن تجاوز الحظر المفروض على البقالات من خلال توسيع مساحة المحل أو تغيير تصنيفه التجاري إلى سوبرماركت.
وبذلك وجد صاحب البقالة العُماني نفسه في مواجهة متجر أكبر يستطيع تشغيل عمالة وافدة بتكاليف وأنماط عمل مختلفة، كما انتشرت متاجر تحمل مسمى «سوبرماركت» وهايبرماركت و"كل شيء بريال" و"محلات المائة بيسة" بالانتشار من دون أن تختلف في طبيعة نشاطها الأساسي عن البقالات التي كان يفترض أن تدار بأيدٍ عُمانية.
ثم انتقل التعامل التنظيمي تدريجيًا من توطين النشاط بصورة شاملة إلى تعمين مهن مُحددة داخله. ويظهر ذلك بوضوح في القرار الوزاري رقم 8/2021، الذي قصر بعض المهن في المجمعات التجارية والسوبرماركت على العُمانيين، مثل خدمة العملاء والمحاسبة والإدارة وترتيب البضائع، مع عدم تجديد تصاريح العمل للوافدين في تلك المهن بعد انتهائها، وبقيت بذلك مهن أخرى داخل المنشأة متاحة للعمالة الوافدة.
وهنا بدأ المشروع يفقد إحدى أهم دعائمه؛ لأنَّ نجاحه كان قائمًا على توطين النشاط التجاري وتمكين المواطن من امتلاكه وإدارته، وليس مجرد حجز عدد محدود من المسميات الوظيفية داخل منشأة قد يبقى معظم تشغيلها وإدارتها الفعلية في أيدي غير العُمانيين.
ومع مرور الوقت، اتسعت الاستثناءات وضعفت المتابعة وتراجعت الحوافز، وعادت بعض صور التجارة المستترة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل واشتداد المنافسة أمام أصحاب المحلات العُمانيين.
القشة التي قصمت ظهر البعير
لم يكن عام 2022 بداية التراجع، بل كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ ففيه أصبحت عودة العمالة الوافدة إلى إدارة محلات بيع المواد الغذائية داخل الأحياء السكنية ظاهرة لافتة يصعب تجاهلها وتحولت كل محلات البضائع العامة الى بقالات بإدارات أجنبية.
وعندها برزت تساؤلات مشروعة لدى المواطنين والمتابعين: هل تغير قرار تعمين نشاط بيع المواد الغذائية؟ وكيف تحول استثناء محدود إلى منفذ أضعف مشروعًا وطنيًا بُذلت في تأسيسه جهود كبيرة؟ ومن المسؤول عن ترك المشروع يتآكل تدريجيًا حتى فقد كثيرًا من أثره وغاياته؟
وتجددت هذه التساؤلات في عام 2024 بعد صدور القرار الوزاري رقم 300/2024، وما صاحبه من ردود فعل ونقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأوضحت وزارة العمل في حينه أن القرار يهدف إلى إلغاء مجموعة من قرارات حظر مزاولة بعض الأنشطة والأعمال التجارية؛ لأن تنظيم تلك الأنشطة يدخل ضمن اختصاص وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار. وأكدت الوزارة في الوقت نفسه استمرار سريان القرار الوزاري رقم 235/2022 المنظم لمزاولة بعض المهن، ومن بينها مهن مرتبطة ببيع المواد الغذائية، وقصرها على العُمانيين.
ومع أهمية هذا التوضيح، فإنه لم يجب عن السؤال الأساسي: إذا كانت مهن بيع المواد الغذائية لا تزال مُعمَّنة، فكيف عادت العمالة الوافدة إلى إدارة أعداد كبيرة من محلات البقالة؟ وهل يكفي تعمين المسمى الوظيفي في السجلات إذا كانت الإدارة الفعلية للنشاط لا تزال في يد غير المواطن؟
يبدو أنَّ الفصل بين تنظيم النشاط التجاري وتنظيم سوق العمل أوجد مساحة رمادية بين الجهات المعنية؛ فبقي التعمين قائمًا من الناحية القانونية في مهن محددة، بينما تراجع التوطين الفعلي للنشاط على أرض الواقع.
أين ذهبت المشروعات العُمانية؟
من حق المجتمع أن يعرف ما الذي حدث لآلاف المشروعات التي أُنشئت ضمن برنامج «سند»، وما أسباب خروج كثير من المواطنين من هذا القطاع ومن المتسبب أصلًا في إلغاء برنامج سند. هل كانت المشكلة في ضعف الجدوى الاقتصادية، أم المنافسة غير المتكافئة، أم ارتفاع الإيجارات وتكاليف التشغيل، أم تراجع التمويل والتسهيلات، أم عودة التجارة المستترة بصور جديدة، أم في غياب جهة واحدة تتولى متابعة المشروع وحمايته؟ وهنا نؤكد أنه حتى العام 2021 لم تكن هناك أي شكوى من نقص المواد الغذائية في الأحياء السكنية؛ بل بالعكس كان هناك تشجيع مجتمعي لفئة المواطنين المشتغلين في تجارة التجزئة خاصة المواد الغذائية.
كما ينبغي التحقق من مدى التزام المحلات القائمة بقرارات التعمين، ومعرفة من يديرها فعليًا ومن يتحمل مخاطرها ويستفيد من أرباحها؛ فوجود السجل التجاري باسم مواطن لا يجعل المشروع وطنيًا بالضرورة إذا كان مُموَّلًا أو مُدارًا أو مُستغَلًا لحساب طرف آخر.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع على ضياع فرص العمل المباشرة، بل يمتد إلى تسليم قطاع يومي وحيوي، يتمتع بحركة نقدية واسعة وفرص للنمو، إلى إدارة غير وطنية، في الوقت الذي يبحث فيه كثير من المواطنين عن فرص مستقرة للعمل والتجارة.
الإحياء لا يعني العودة إلى الماضي
إن الدعوة إلى إحياء مشروع توطين تجارة المواد الغذائية لا تعني إعادة التجربة السابقة بصورتها القديمة؛ بل تطويرها بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية وسلوك المستهلك الحديث؛ فالمواطن يحتاج إلى مشروع قادر على المنافسة والاستمرار، لا إلى محل صغير يُترك وحيدًا أمام سلاسل تجارية كبيرة ومنافسة غير متكافئة.
ويقتضي ذلك اجتماع الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد وزارة العمل ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والبلديات وبنك التنمية والجهات التمويلية الخاصة والمصارف المحلية لوضع برنامج وطني جديد يقوم على عدد من المرتكزات، من أهمها:
● إجراء تقييم شامل ومستقل للتجربة السابقة وتحديد أسباب نجاحها.
● إعادة تنظيم تراخيص البقالات والسوبرماركت داخل الأحياء السكنية بما يمنح الأولوية الفعلية للمواطنين، ويمنع استخدام المساحة أو التصنيف التجاري للتحايل على التوطين.
● تقديم تمويل ميسر وفترات سماح مناسبة، مع تخفيض الرسوم والإيجارات خلال السنوات الأولى.
● إنشاء منظومة شراء جماعي تمكن المحلات العُمانية من الحصول على السلع بأسعار تنافسية.
● دعم تحول البقالات الوطنية إلى متاجر حديثة تستخدم أنظمة المحاسبة والدفع الإلكتروني والتوصيل إلى المنازل.
● منح المشروعات الملتزمة بالتوطين الكامل امتيازات في المواقع والتراخيص والتسهيلات الحكومية.
● تشديد الرقابة على التجارة المستترة والتحقق من الإدارة الفعلية للمحل، وعدم الاكتفاء باسم مالك السجل التجاري.
● تشجيع إنشاء سلاسل تعاونية أو علامات تجارية وطنية تجمع أصحاب البقالات العُمانيين تحت مظلة موحدة.
● تحديد جهة واحدة تتولى قيادة المشروع ومتابعة نتائجه، مع نشر مؤشرات دورية عن نسب التوطين واستدامة المشروعات.
تأسيس جمعية مهنية لتجار المواد الغذائية للدفاع عن مصالح التجار.
مشروع يستحق الإحياء
لقد أثبتت التجربة السابقة أن المواطن قادر على إدارة هذا القطاع وغيره من القطاعات مثل قطاع النفط وقطاع النقل وقطاع المصارف والمصانع وغيرها من القطاعات الحيوية متى وجد البيئة المناسبة والدعم العادل والحماية من المنافسة غير النظامية. كما أثبتت أن القرارات وحدها لا تكفي؛ فنجاح التوطين يحتاج إلى متابعة مستمرة، وحوافز اقتصادية، وتكامل بين الجهات، ومساءلة واضحة عند حدوث التراجع.
إن السؤال اليوم لم يعد فقط: كيف تراجع مشروع توطين تجارة المواد الغذائية؟ بل الأهم: من يتحمل مسؤولية إحيائه وتطويره وحمايته من التعثر مرة أخرى؟
لقد آن الأوان لإعادة فتح هذا الملف بشفافية، والوقوف على أسباب تراجع مشروع كان يحتضن آلاف المواطنين، ثم بناء نموذج أكثر قوة واستدامة يعيد إليهم القدرة على المنافسة ويمنحهم حوافز حقيقية للدخول إلى القطاع والاستمرار فيه والتوسع من خلاله؛ فتوطين هذا القطاع ليس مجرد إحلال عامل عُماني محل عامل وافد، وإنما هو تمكين للمواطن من امتلاك النشاط وإدارته والاستفادة من عوائده، وتعزيز لدور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحماية لجزء مهم من الدورة الاقتصادية الوطنية وتأمين امن غذائي مستدام.
وإحياء المشروع بصورة حديثة ومدروسة سيكون خطوة عملية نحو توفير فرص عمل مجزيه ومكافحة التجارة المستترة، وترسيخ حضور المواطن في قطاع يمس حياة المجتمع كل يوم والرد على تساؤل مطروح: تجارة المواد الغذائية مشروع وطني بإدارة عُمانية تم إجهاضه لماذا؟!
** الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عُمان
