ناجي بن جمعة البلوشي
لنكمل ما بدأناه.. فعند طرح سؤالنا في السابق نراه يصطدم بمنطق الاقتصاد الحديث ليجعل الإجابة أكثر تعقيدًا؛ فالعالم لم يعد سوقًا منفصلة تتنافس فيه الدول على المستثمر من خلال ما تملكه كل دولة من موارد وحوافز فقط، وإنما أصبح المستثمر قادرًا على وضع المشروع نفسه أمام عدة بدائل في الوقت ذاته.
وقد يجد المستثمر أمامه خيارًا في سلطنة عُمان، وآخر في الهند، وثالثًا في الصين، وربما خيارات أخرى في دول اقليمية آسيوية أو خليجية. وهنا لا تعود جاذبية الفرصة مرتبطة بقدرة الدولة على توفير الأرض أو الحوافز وحدها، وإنما بقدرتها على تقديم عرض اقتصادي متكامل يجعل الاستثمار فيها أكثر منطقية من البدائل المتاحة أمام المستثمر. وهذه النقطة تحديدًا تستحق أن تحظى بمزيد من النقاش عند النظر إلى الفرص الصناعية المطروحة في السلطنة؛ فحين تطرح فرصة لإنشاء مصنع للإطارات، أو مصنع للثلاجات، أو مصنع للمكيفات، فإن السؤال الطبيعي ليس ما إذا كانت هذه المنتجات مطلوبة؛ فهي منتجات موجودة في كل سوق تقريبًا، ولا شك في وجود طلب عليها. لكن الأهم هو: أين ينبغي أن تُصنع؟
قد يبدو السؤال لأول وهلة خارجًا عن نطاق الفرصة الاستثمارية نفسها، لكنه في الحقيقة يقع في قلبها؛ فالمستثمر الذي ينظر إلى إنشاء مصنع للإطارات في عُمان لا يرى أمامه السوق العُماني فقط. إنه يرى الصين والهند وغيرها من الدول التي تمتلك قدرات صناعية راسخة، وسلاسل توريد واسعة، وأسواقًا كبيرة، وخبرات تراكمية تمتد لعقود. ومن هنا، فإن نجاح الفرصة العُمانية لا يعتمد فقط على إمكانية إقامة المصنع، وإنما على قدرة المصنع بعد إنشائه على الوقوف في سوق مفتوحة والمنافسة وتحقيق عائد مناسب على رأس المال. وهذا هو الفارق بين قابلية المشروع للتنفيذ وقابليته للاستمرار.
والأهم من ذلك: هل يستطيع المنتج أن يُنافِس؟ فإذا كان المصنع سيستورد معظم مكوناته من الخارج، ثم يقوم بالتصنيع أو التجميع محليًا، فإن الميزة الاقتصادية للمشروع يجب أن تكون واضحة بما يكفي لتعويض تكاليف النقل والاستيراد والتصنيع. وهنا تصبح المقارنة مع الصين والهند ضرورية، لا باعتبارهما خصمين ينبغي التغلب عليهما، وإنما باعتبارهما البديل الذي يستطيع المستثمر أن يختاره.
وصناعة الإطارات مثال واضح على طبيعة هذا التحدي؛ ففي الصين والهند، يجد المستثمر نفسه داخل بيئة صناعية تحتوي على أعداد كبيرة من مكاتب الدراسات الادارية والمالية والفنية وشركات وبنوك التمويل وعدد كبير من الموردين والمصنعين الثانويين، وكثير من الخبرات الهندسية والبشرية والأسواق الواثقة في ذلك البلد أو العلامة التجارية وغيرها الكثير. وكلما اتسع حجم الإنتاج، أصبحت تكلفة الوحدة أكثر قابلية للمنافسة.
أمَّا في سوق أصغر، فإن السؤال يصبح أكثر دقة: كيف يمكن للمصنع أن يصل إلى الحجم الاقتصادي الذي يسمح له بالمنافسة؟
الأمر نفسه ينطبق على صناعة الأجهزة المنزلية، ومنها الثلاجات والمكيفات وكل منتج نريد ان نصنعه في بلادنا؛ فالمنتج النهائي يخفي خلفه عشرات المكونات والعمليات الصناعية. وكلما زادت نسبة المكونات المستوردة، أصبح من الضروري معرفة مقدار القيمة التي يضيفها التصنيع المحلي، وما إذا كان هذا التصنيع قادرًا على تحقيق وفورات تكفي لبناء مشروع مستدام. أما إذا كان المشروع غير قادر على المنافسة إلّا بسبب الحافز، فإن السؤال هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي فترة الحافز؟
هذه ليست دعوة إلى تقليل الحوافز، وإنما إلى توجيهها نحو المشاريع التي تمتلك أساسًا اقتصاديًا قابلًا للاستمرار. فالدولة لا تستهدف في النهاية مجرد افتتاح المصنع. هي تستهدف مصنعًا يستمر، وينمو، ويوظف، ويصدر، ويولد قيمة محلية، ويجذب استثمارات أخرى حوله. ولو راجعنا أساس الصناعة في الصين تلك الدولة المعتبرة اليوم عملاق الصناعة وبطلق عليها مسمى مصنع العالم لوجدناها قامت قبل هذا التصنيع الكم على الصناعات الثقيلة التي تحتاجها الدولة كإنتاج الفحم والطاقة والصلب والحديد لكنها لم تحقق الرفاهية الاقتصادية الا عندما تحولت الى فلسفة- ننتج ما يحتاجه الآخرون- وهذه الفلسفة بدأت بصناعات خفيفة رمزية لا تعني شيئًا بميزان التصنيع، إلّا أن الدولة من خلالها نجحت في بناء المنظومة الصناعية التي يمكن تطبيقها في كل منتج تحتاجه الصين أو أي دولة أخرى بدا من ألعاب الأطفال والبلاستيكيات الى ان وصلت الى صناعات ثقيلة عملاقة كالطائرات المدنية والحربية والأسلحة المتطورة والاقمار الصناعية والروبوتات وكثير من الصناعات المنافسة للغرب والمتطورة عليهم فيها.
وفي الختام.. نحن هنا لنكون شركاء فيما نريد تحقيقه ولسنا ضده، والظل دائمًا ما يعكس حجم ما حُجب من الضوء على الأرض حتى وإن كان بسيطًا دون أن يُكافئه الضوء شيئًا.
