عندما يتعلق الأمر بالمال

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

كنت في أحد الأيام في منطقة صناعية لإنجاز أمر عابر، واستقبلني أحد الموظفين في إحدى الورش. تحدثنا قليلًا عن الأمر الذي جئت من أجله، ثم انشغل بإنهاء بعض التفاصيل، بينما كنت أراقب المكان من حولي. لم يكن في المشهد شيء استثنائي؛ أشخاص يأتون ويذهبون، وآخرون يعملون، وأصحاب أعمال يتابعون ما لديهم، وكل واحدٍ منهم مشغول بما جاء من أجله.

لكنني، بعد أن خرجت من المكان، لم أستطع أن أتخلص من صورة ذلك الشاب. كان بالنسبة إليّ شخصًا التقيته لدقائق ثم انتهى اللقاء، بينما كان هو سيبقى هناك ساعات أخرى، ثم يغادر إلى بيت وحياة لا أعرف عنهما شيئًا. وربما لهذا أخذت أتساءل عن حياته بعيدًا عن تلك الدقائق التي رأيته فيها؛ كيف بدأ عمله، وماذا ينتظر من راتبه في نهاية الشهر، وما الذي يعنيه له أن يكون لديه عمل ثابت يذهب إليه كل صباح.

عندها فكرت في المال بطريقة مختلفة. نحن نتعامل معه كثيرًا بوصفه أرقامًا؛ كم نملك، وكم نربح، وكم ننفق. لكن المال حين يدخل حياة النَّاس يأخذ معنى آخر؛ يصبح عملًا، وأمانًا، وفرصة، وأحيانًا بداية لحياة أفضل؛ فالمال لا يبقى على حاله حين يمر في حياة الإنسان؛ فقد يكتسب من صاحبه شيئًا من أحلامه وقيمه، ويتحول من وسيلة يملك بها الأشياء إلى وسيلة يصنع بها أثرًا في حياة الآخرين.

ولعلَّ الإنسان لا يبحث عن المال من أجل المال وحده. هو يبحث عمَّا يستطيع المال أن يمنحه له؛ قدرًا من الأمان، وقدرة على الاختيار، ومستقبلًا أكثر استقرارًا له ولمن يحب. ولذلك يظل السعي إلى المال، ما دام في طريق مشروع، جزءًا طبيعيًا من سعي الإنسان إلى حياة أفضل.

المال مال الله، والإنسان مُستخلَف فيه، وتبقى قيمته فيما نختار أن نصنعه به؛ فهناك مال يُضيف إلى صاحبه، ومال يضيف إلى حياة من حوله، ومال يستطيع أن يترك وراءه شيئًا أجمل من الرقم الذي يمثله.

لكن المال لا تتوقف حكايته عند صاحبه؛ فحين يضع الإنسان ماله في مشروع داخل بلده، فإنِّه يسعى إلى تنمية ماله، وفي الوقت نفسه يفتح بابًا لغيره؛ وظيفة لشاب، ودخلًا لأسرة، وخبرة يكتسبها إنسان، وحركة تستفيد منها أعمال أخرى. والبلد الذي منحنا الكثير، جدير بأن يجد في أموال أبنائه ما يضيف إلى مسيرته ونموه. فكلما كبرت الأعمال، اتسعت معها الفرص، وأصبح نجاح صاحب المال جزءًا من حركة أكبر يستفيد منها الجميع، ويعود إليه منها ما يُساعده على تنمية أعماله من جديد.

المال لا يملك أخلاقًا؛ الإنسان هو الذي يمنحه أخلاقه. قد يبقى رقمًا يتزايد في الحساب، وقد يتحول إلى عمل يفتح بابًا، أو فرصة تمنح إنسانًا بداية جديدة، أو مشروع يضيف شيئًا إلى المكان الذي نشأ فيه. وليس المطلوب من صاحب المال أن يتخلى عن ربحه، وإنما أن يعرف أنَّ الربح يمكن أن يكون له أثر يتجاوز حسابه، وأنَّ المال حين يتحرك في الاتجاه الصحيح، قد ينفع صاحبه وينفع معه من حوله.

وتذكرت ذلك الموظف الذي استقبلني بوجه باسم. بالنسبة إليّ كان شخصًا التقيته لدقائق ثم مضيت، أما بالنسبة إليه فكان ذلك العمل جزءًا من حياته؛ يأتي إليه كل صباح ليبني يومه ومستقبله، وقد يُغادره يومًا بخبرة ومهارة وثقة، أو يكون ذلك العمل نفسه خطوة أولى نحو مشروع يبنيه بيده. وهو في النهاية واحد من أبناء هذا الوطن، من لحمنا ودمنا، له من الأحلام والآمال ما لنا، ويستحق أن يجد في بلده أبوابًا مفتوحة للعمل والنمو.

وهكذا قد تبدأ الحكاية من ورشة صغيرة، ومن صاحب مال يريد أن ينجح، ومن شاب يُريد أن يبني حياته. وبين الاثنين يتحرك المال، فتتحرك معه حياة كاملة؛ حياة أناس نلتقيهم كل يوم، ولا نعرف كم حلمًا تحمله وجوههم، ولا كم مستقبلًا يمكن أن يبدأ من فرصة صغيرة.

وعندما غادرت المنطقة الصناعية، لم يعد المشهد يبدو لي كما كان عندما دخلت. لم أعد أرى الحديد والآلات والشاحنات والورش فقط. صرت أرى خلف كل ذلك أشخاصًا؛ صاحب عمل وضع مدخراته في مشروع، وعاملًا ينتظر راتبه، وأسرة تعيش على ذلك الراتب، وشابًا ربما كانت هذه الوظيفة أوَّل خطوة له، ومالًا يتحرك بينهم جميعًا دون أن يتوقف عند أحد.

وفكرت أن المال، في النهاية، ليس ما نضعه في أيدينا فقط، وإنما ما يستطيع أن يصل إليه بعد أن يخرج منها.

قد ننسى بعد سنوات كم كان لدينا، وقد تتغير الأرقام وتذهب الأشياء، لكن يبقى هناك سؤال أبسط وأهم: ماذا صنع المال الذي مرَّ بأيدينا؟

ربما صنع مشروعًا، وربما صنع فرصة، وربما جعل بيتًا أكثر أمانًا، وربما فتح لإنسان بابًا لم يكن يراه.

وعندما يتعلق الأمر بالمال، ربما لا يكون المهم فقط ما يضيفه إلى حساباتنا، وإنما ما يضيفه إلى حياتنا وحياة من حولنا.

فقد يكبر المال، وتكبر معه أشياء كثيرة... لكن أجمل ما يمكن أن يكبر معه، هو الإنسان والمكان والحياة.

الأكثر قراءة

z