هند الحمدانية
فما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌ
ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ
هكذا اختصر المُتنبي قبل قرون حقيقة لا تزال جديرة بأن نتذكرها: القيمة لا جنس لها، والمكانة يصنعها الأثر، وكذلك المرأة العُمانية لم تعد بحاجة إلى أن تثبت قدرتها، فقد أثبتتها علما وعملا وعطاءً في مؤسسات الوطن كما في الأسرة، ولذلك الأجدر بمرحلتنا اليوم وبعد كل ما قدمته نساء عُمان لهذا الوطن أن نتساءل: ماذا نستطيع أن نقدم لهن؟
ومن هنا تحديدا تبدأ أحلامنا، وأحلامنا جليلة، وللكلمة هنا معنيان، وكلاهما مقصود، فأحلام المرأة العُمانية جليلة في قيمتها، كبيرة في استحقاقها، لكنها أيضًا تجد في السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية، حرم جلالة السُّلطان المعظم -حفظها الله ورعاها- حضورًا قريبًا من المرأة العُمانية ومن الأسرة ومن المجتمع.. حضورٌ يحمل في عمقه الكثير من المعاني، ويمنح المرأة شعورًا بأن تطلعاتها ليست بعيدة عن دوائر الاهتمام الوطني.
لقد عَرِفَتْ المرأة العُمانية دعم الدولة منذ عقود، وفتحت أمامها أبواب التعليم والعمل والمشاركة العامة، ثم جاءت النهضة المتجددة لتواصل هذا المسار ضمن رؤية وطنية تجعل الإنسان محور التنمية، لكن في حضور السيدة الجليلة شيئا إضافيا يستحق الاحتفاء: القرب الوجداني، فثمة فرق بين أن تعرف المرأة أنَّ وطنها يحفظ مكانتها، وبين أن تشعر أيضا بأن هناك من يرى تفاصيل حياتها، ويصغي إلى قضايا الأسرة والمرأة والطفل، ويحتفي بعطاء العُمانيات في ميادين مختلفة، ففي كلمات السيدة الجليلة ومناسباتها ولقاءاتها وتكريمها لنماذج نسائية عُمانية، يمكن قراءة رسالة جوهرها إن نهضة المرأة ليست صراعاً مع الرجل ولا انفصالا عن الأسرة، وإنما شراكة وتكامل ينهض بهما المجتمع بأكمله.
ولهذا حين نقول أحلامنا جليلة فنحن نفتح نافذة للأمل، هذه أحلام نساء عُمان، نضعها اليوم على طاولة المستقبل، مؤمنات بأنَّ الحلم حين يصل إلى من يفهمه ويؤمن به قد يتحول يوما إلى مبادرة، وأن المبادرة حين تجد المؤسسة قد تصبح سياسة، والسياسة الجيدة قد تغير حياة أجيال كاملة.
فما الذي تحلم به المرأة العُمانية اليوم؟!
قد تظن أنها تُريد منصبًا أعلى أو لقبًا أكبر أو حضورًا أوسع، وبعض النساء يردن ذلك بالتأكيد، لكن امرأة أخرى ربما يكون حلمها أبسط وأعمق: أن تصل إلى عمر الخمسين وهي ما تزال بصحة جيدة، أن تجد مكانًا آمنًا ومُيسرًا تُمارِس فيه الرياضة في ولايتها، أن تضع طفلها صباحًا في حضانة تثق بها وقريبة من مقر عملها، أن تستطيع الاعتناء بأمها أو أبيها عند الكبر دون أن تصبح مُستنزفة بين الواجب والوظيفة، وأن تجد نظام عمل يفهم أن حياة الإنسان ليست خطًا مستقيمًا، بل مراحل تتغير فيها المسؤوليات والاحتياجات.
وقد تحلم امرأة خدمت وطنها عقودًا بأن يكون أمامها خيار لتقاعد مرن ومدروس يناسب ظروفها دون أن يخل باستدامة منظومة الحماية الاجتماعية، وتحلم أرملة أو مطلقة تعول أسرتها ألّا تبقى أسيرة وصف "الحالة الاجتماعية" وإنما تجد طريقًا حقيقيًا إلى الاستقلال والأمان والقدرة على بناء حياتها، هي أحلام بسيطة ومشروعة تطمح المرأة من خلالها لجودة الحياة التي تستحقها.
وهنا ربما علينا أن نركز في خطابنا الوطني على كيف نجعل المرأة التي مكناها تعيش بجودة أفضل؟ فثمة حقائق وتفاصيل لا تظهر في صور التكريم ولا في إحصاءات الوظائف، فالمرأة الحديثة حصلت على أدوار جديدة، لكنها لم تتخل بالضرورة عن أدوارها القديمة، وبقيت في كثير من الأُسر الأم التي تحمل الجزء الأكبر من تفاصيل الأسرة والأبناء والوالدين، والمرأة التي تدير ذلك العالم الصغير من المسؤوليات اليومية والعاطفية التي لا تظهر في كشوف الرواتب ولا تحصرها مؤشرات الإنتاجية، نحن نحسب 8 ساعات قضتها المرأة في مقر عملها، ولكن من يحسب ما بعدها؟ ولهذا لا تحتاج المرأة دائماً إلى من يقول لها: أنتِ قوية، أحيانا تحتاج إلى نظام يجعلها أقل اضطرارًا لأن تكون قوية طوال الوقت.
ومن هنا يأتي حلم التقاعد المرن، كنظام اختياري مدروس، يُتيح مسارات متعددة ترتبط بالعمر وسنوات الخدمة والاستحقاق والظروف المختلفة، لماذا يجب أن تكون هناك بوابة واحدة للجميع، ولماذا لا نبحث عن معادلة تحمي صندوق الحماية الاجتماعية وتحمي المرأة في الوقت ذاته؟
ومن أحلامنا أيضًا أن تُصبح صحة المرأة جزءًا أكثر حضورًا في البنية المجتمعية اليومية، فلماذا لا يكون في كل ولاية، مركز مجتمعي صحي ورياضي نسائي نموذجي، تدعمه الحكومة أو يُدار بشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مكان يخدم جميع نساء المحافظات، تمارس فيه الرياضة والمشي واللياقة، وتحصل من خلاله المرأة على التوعية الغذائية والبرامج الوقائية والفحوص الدورية المناسبة لمراحل العمر المختلفة، نكرر كثيرا أنَّ الوقاية خير من العلاج، ولكن الأجمل أن تتحول هذه الحكمة إلى سياسة وبنية تحتية، فما ننفقه اليوم على الوقاية والصحة والحركة قد يوفر غدا الكثير من كلفة الأمراض المزمنة والآثار السلبية الأخرى.
وثمَّة حلم آخر قد يبدو صغيرًا، لكنه بالنسبة إلى آلاف الأمهات كبير جدًا: الحضانة؛ فالتوسع في حضانات عالية الجودة بالقرب من المؤسسات الحكومية ومجمعات العمل الكبرى وبأسعار مدعومة أو معقولة هو جزء من البنية الداعمة لسوق العمل، فلا يمكن أن نطلب من الأم كامل تركيزها وإنتاجيتها، بينما نصف قلبها في مكان آخر قلق على طفلها، وكلما كانت الأم أكثر اطمئنانا على طفلها، كانت أكثر استقرارًا وقدرة على العطاء، ومن هنا يمكن أن يمتد التفكير إلى ساعات عمل أكثر مرونة في بعض مراحل حياة الأسرة، وإلى العمل الجزئي والعمل عن بعد في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، وإلى سياسات أخرى لا تجعل المرأة مضطرة للاختيار بين الأمومة وفرصها المهنية.
أما المرأة الأرملة أو المُطلَّقة أو المُعِيلة، فهي تستحق أن ننظر إلى قضيتها من زاوية تتجاوز الإعانة، وهنا تكمن أهمية شبكات الحماية الاجتماعية، فالمرأة في الظروف الصعبة ليست "حالة" تحتاج مساعدة، بل هي مواطنة كريمة تحتاج إلى قوانين تعز شأنها وفرص تغير من مصيرها.
ولأنَّ للأوطان أيامًا لا تقاس بعدد ساعاتها، بل بما تمنحه من تقدير وكرامة، يأتي السابع عشر من أكتوبر حاملًا اسم المرأة العُمانية، يوم نحتفي فيه بها ونستعيد شيئًا من حكايتها الطويلة مع هذا الوطن، لكن بعض الأيام الجميلة تستحق أن تنتقل من ذاكرة التقويم إلى ذاكرة الحياة، فماذا لو حمل هذا اليوم للمرأة شيئًا ملموسًا من تقدير الوطن؟ كأن تدرس إمكانية منحه كإجازة خاصة للمرأة العُمانية، إجازة تشعر فيها المرأة بالامتنان الحقيقي وامتياز التكريم والشعور بأنَّ الوطن الحبيب قد تذكرها وأعاد إليها يوماً من أيام عمرها التي وهبتها له.
نحلم.. وما أجمل أن نحلم بالوطن ونحن فيه، نحلم بعُمان أكثر قربًا من تفاصيل نسائها، ترى المرأة قبل أن ترى أرقام إنجازاتها، وتحفظ لها من العمر بقدر ما منحت، ومن الطمأنينة بقدر ما حملت، ومن الرعاية بقدر ما رعت.
أما أحلامنا فقد أخترنا أن تكون جليلة، لأنها ليست أحلامًا كبيرة بقدر ما هي أحلام تليق بعُمان ونسائها، ولأنَّ في هذه المرحلة من تاريخنا حضورًا نسائيًا رفيعًا، نرى فيه من القرب والوعي ما يجعلنا نرفع هذه الأمنيات بثقة ومحبة، فبعض الأحلام نكتبها على الورق، وبعضها نتركه في عهدة المستقبل، أمَّا أحلامنا فقد أخترنا أن تكون جليلة.
