حمد الناصري
فترة النباهنة الأولى (النباهنة الأوائل):
بدأت هذه الفترةُ عقب وفاة الإمام أبي جابر موسى بن أبي المعالي (عام 549 هـ/ 1154 م)، واستمرت زهاء ثلاثة قرون ونصف. وتميزت بمراحل من القوة والتوسع، وحكم خلالها ملوك عظام، حتى أسدل الستار عليها بنهاية حكم الملك سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني؛ ملك بني نبهان وشاعرهم الكبير، وذلك بعد مبايعة الإمام محمد بن إسماعيل إمامًا لعُمان عام (906 هـ/ 1500 م).
محطّات مِن عهد النباهنة الأوائل (الحملات الخارجية)1. الغزو الهرمزي الأول (660 هـ/ 1261م):
وتـَرْوي لنا كُتب التاريخ أنه في عَهد الملك النّبهاني أبي المعالي، تعرضت عُمان لغزو خارجي عصيب (عام 660 هـ/ 1261 م)، قاده "محمود بن أحمد الكوشي" مَلك هرمز، الذي استهل حملته بالاستيلاء على فرضة قلهات البحرية. وبغطرسة المحتل، استدعى الملكَ النبهاني (أبا المعالي) مطالبًا إياه بتحصيل الخراج وتسليمه له (ملاحظة: وقع لغط واختلاف في تسمية الملك النبهاني المعاصر لهذه الحملة بين المصادر العُمانية؛ فرغم أن الشيخ سرحان بن سعيد الأزكوي في "كشف الغمة" والشيخ نور الدين السالمي في "تحفة الأعيان" نصّا على أنه أبو المعالي -وهو الملك كهلان بن نبهان- إلا أن بعض الكتاب والمؤرخين يذكرون أنه أبو محمد بن نبهان، والصحيح ما أثبته الشيخان لضبطهما سياق الحادثة وزمنها التاريخي)؛ إلا أن الملك النبهاني تردد كثيرًا، واعتذر بعدم قدرة العُمانيين على دفع هذه الأموال، مستندًا إلى أن عُمان ليست كلها تحت سلطته المباشرة وأمره. وأثارت هذه الردودُ غضب ملك هرمز، فانتهج سياسة "فرق تسد"، وقرّب إليه بعض زعماء وأمراء البدو العُمانيين نكاية بالملك النبهاني، وأغدق عليهم كثيرًا من الأموال والكساء لاستمالتهم، طالبًا نصرتهم في حملته، فوعدوه بذلك.
على إثر ذلك، انطلق الملك الهُرمزي بجيشه جنوبًا نحو ظفار، وتمركز في مناطقها الساحلية، حيث عاث جنوده في الأرض فسادًا بنهب الأسواق، وسلب الممتلكات، وسبي زهاء (12) اثني عشر ألفًا من أهالي البلاد. وعند قفول الحملة، قسّم الهرمزي قواته؛ فشحن الغنائم والسبايا في السفن بحرًا لتتجه صوب قلهات، بينما آثر هو السير مع بقية جيشه برًّا عبر الفيافي والمفازة الموحشة الممتدة بين ظفار وداخلية عُمان في طريق عودتهم. وهناك، في تلك الصحراء القاحلة، تاه الجيش ونفد ماؤهم فهلكوا جميعًا عطشًا ومات ملكهم معهم. وحين بلغت أنباء هذه الهلاك أهالي قلهات وطيوي، انتفضوا بأسلحتهم وأغاروا على السفن الهرمزية الراسية في الميناء، فأحرقوها، وقتلوا حاميتها، واستنقذوا الذراري والسبايا والأموال، لتنتهي الغطرسة الهرمزية بملحمة من التلاحم العُماني.
فترة النباهنة الثانية (النباهنة المتأخرون):
شكّلت هذه المرحلةُ حقبةً عصيبةً جدًا في التاريخ العُماني؛ إذ تحولت البلاد فيها إلى ساحة من القلاقل والنزاعات الشتى على السلطة. وتجلّى الضعف في الانقسامات الحادة بين النباهنة أنفسهم، فضلًا عن طموح بعض القوى والقبائل المحلية للانفراد بالمسؤولية والسيطرة على المناطق الساحلية والداخلية بعيدًا عن مركزية الدولة. وطوال هذه العقود، بقيت السلطة واهية ومترهلة، وسادت الفوضى والتناحر القبلي وغاب الاستقرار؛ لدرجة نزاع الإخوة والأقارب على سدة الحكم، مما جعل البلاد عرضة للاختراق الخارجي، واستمر هذا المشهد القاتم حتى بزغ فجر عهد جديد يلم الشتات العُماني في عام (1034 هـ/ 1624 م).
