مشاعر السعادة

 

مدرين المكتومية

فرضتْ طبيعةُ العمل الصحفي علينا، أن نتحرك في مواقع مُختلفة، في الداخل والخارج، بحثًا عن الخبر، وحرصًا على أداء المهام بكل مسؤولية، ثم نعود في نهاية اليوم بتغطية مكتوبة، لنبدأ في اليوم التالي تغطية أخرى، وهكذا، لكنَّ شيئًا يبقى في الذاكرة، لا سيما في التغطيات الخارجية التي نقوم بها خارج الدولة؛ حيث تبقى الذكريات الطيبة، وما تحتويه من تفاصيل تُشكِّل ذاكرتنا وتُسهم في بناء وعينا.

لستُ هنا بصدد الحديث في أدب الأسفار، أو أدب الرحلة، لكن أود تسليط الضوء على ما يواجهه الصحفي من تحديات، وأيضًا ما يحظى به من ترحيب، وما يشعر به من اعتزاز في كل مرة يؤدي فيها عمله بإتقان وإبداع. البداية دائمًا تنطلق من دعوة عابرة، مثل عشرات الدعوات التي نستقبلها أسبوعيًا، ثم يبدأ الاهتمام، ومن بعدها التحضير وصولًا إلى تنفيذ المهمة على أكمل وجه.

وبشكل شخصي أحرصُ دائمًا على أن أنتهي من الاستعداد للسفر بوقت مبكر، فلستُ ضمن الفريق الذي يُرجئ كل شيء للحظة الأخيرة، وهذا الأمر ساعدني كثيرًا في تنظيم شؤون حياتي، ومنحني القدرة على ترتيب الأولويات، وهذه ميزة تعلمتها من أمي- رحمة الله عليها- لأنَّ الأمهات عادة ما يتصرفن بهذه الطريقة؛ إذ إنهن يعتمدن على النظام الواضح، لا العشوائية والفوضى. وهذا لا يعني أن هناك نساء أو فتيات يُفضلن الفوضوية على التنظيم وحسن الإدارة.

وخلال سنوات عملي في الصحافة، نجحتُ- بفضل الله- في تطوير هذه المهارة لدي، ليس فقط على مستوى الأسفار الخارجية، لكن كذلك في مهام عملي، إذ إنني أؤمن بمقولة "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد"، وعندما أتلقى التكليف بتغطية أو بإعداد تقرير صحفي أو إجراء حوار، أُباشر العمل فيه على الفور، حتى لو تلقيت التكليف في نهاية يوم العمل. لا أزعم أنني أتصرف بكمال، حاشا لله؛ فالكمال لله وحده، لكن أستطيع أن أؤكد أنني أمارس عملي بأقصى قدر مُمكن من السعي نحو الإتقان والبذل والعطاء.

أعودُ إلى أسفاري، وأتذكر أنَّ أول رحلة انطلقت فيها إلى الخارج، انتابتني مشاعر مزدوجة، مشاعر تخلط بين الخوف والحماس، بين القلق والرغبة في الانطلاق. إنها لحظة البدايات، التي عادةً ما تكون مُفعمة بالمشاعر المتباينة، لحظة نكتشف فيها كل ما هو جديد ونقوم به لأول مرة، أول تأشيرة لدولة أجنبية، وأول ختم خروج من المطار، وأول فندق أسكن فيه، وأول لقاء صحفي أُجريه، وأول نشر على صفحات الجريدة.. هذه المحطات الأولى هي التي تُضفي السعادة على عملنا.

في السفر للخارج ذكريات لا تُنسى، شوارع مررنا بها، أمطار وأنواء مناخية واجهتنا، أشخاص من مختلف أنحاء العالم نلتقي بهم، لغات ولهجات غريبة نسمعها من المحيطين بنا، تجارب سفر مختلفة نخوضها. أتذكر عندما ذهبت لأول مرة إلى بريطانيا، استقبلتني عائلة بريطانية، زوج وزوجة قد بلغوا من الكبر عتيًا، لكنهم لم يفقدوا الأمل في الحياة، لم يتخلوا عن طموحاتهم في أن يعيشوا أيامهم ولحظاتهم بكل عنفوان، لم يركنوا إلى فكرة أنهم تجازوا الستين، أو أنهم أحيلوا إلى التقاعد، أو أنَّ شعرهم تحول إلى اللون الفضي، أو تراجعت قوة نظرهم، أو أنهم أصبحوا يترددون على الأطباء كثيرًا مع زيادة وهن الجسم.. لم يستسلموا لكل ذلك؛ بل حرصوا على بناء حياة جديدة يستمتعون بكل لحظة فيها، ويتعرفون على أُناس جُدد من دول مختلفة، ربما حتى من دول لم يكونوا يعلموا موقعها على الخريطة!

ولا يُمكن أن أنسى السفر إلى جمهورية الصين الشعبية؛ حيث عشتُ تجربة فريدة، لم أكن أتخيل أنَّ هذه الدولة العظمى على ذلك القدر من النظام والتطور، وأن شعبهم اللطيف بهذه الدرجة من الود والاحترام للآخر. شعرت بسعادة غامرة وأنا أسير في شوارع الصين العملاقة، أمضي في طريقي بينما عشرات الآلاف يعبرون من جانبي ومن أمامي ومن ورائي، الآلاف من السيارات بمختلف الأشكال والألوان تجدها في شارع واحد، في ناصية واحدة، أعداد هائلة من المحال التجارية والمطاعم والكافيهات وغيرها، حياة لا تتوقف، تشعر وكأنَّ العالم كله قد اجتمع هناك، لكنك تكتشف أن هذا الجزء من العالم ليس سوى شارع صغير في دولة كبيرة، يجوز لنا أن نسميها "العملاق الآسيوي".

ورغم تعدد الأسفار والمهام والمسؤوليات، ورغم حلاوة السفر وجمال التجربة، يظل الحنين إلى الوطن لا يُفارقني، مهما كنتُ سعيدة بالزيارة الخارجية، ومهما تسوّقت وتنزّهت، أحنُ بشدةٍ في كل يوم إلى العودة إلى عُمان؛ حيث الحياة الهادئة البعيدة عن الصخب، والأسرة التي تمنحك الحب والحنان بلا حدود، والأصدقاء الذين يدعمونك ويقفون بجوارك دون انتظار مقابل؛ لأنَّ المحبة هي الكنز الذي نجمعه كل يوم، التقدير والاحترام هما ثروتنا التي بنيناها على مر السنين..

استمتعوا بكل لحظة في حياتكم، ابتهجوا في أسفاركم، انعموا بشعور الحنين إلى الوطن، واعلموا جيدًا أنَّ الإخلاص والتفاني في العمل، هما مصدر السعادة والاطمئنان النفسي.

الأكثر قراءة

z