د. صالح الفهدي
أغلبُ الأحاديث الشائعة تتوجَّه إلى المتقدِّمين للوظيفة، وكيف يمكنهم أن يمتلكوا الثقة لاجتياز المقابلة، وكيف يُحسنون تقديم أنفسهم، وما الأسئلة التي قد تُطرح عليهم، وكيف يتركون انطباعًا إيجابيًا لدى لجنة الاختيار. وكأنَّ نجاح المقابلة مسؤوليةُ المتقدِّم وحده، وكأنَّ المؤسسة لا يتجاوز دورها طرح الأسئلة وانتظار الإجابات.
لكنَّ الأسئلة الأهم التي ينبغي أن تُطرح قبل أن نسأل المترشِّح عن كفاءته هي: هل تمثِّل لجان التوظيف المؤسسة حقَّ التمثيل؟ وهل يدرك أعضاء هذه اللجان طبيعة الوظائف التي يختارون لها؟ وهل يمتلكون المعرفة والخبرة التي تؤهلهم لانتقاء الكوادر المناسبة؟ وهل لديهم من بُعد النظر ما يجعلهم قادرين على استشراف أداء المترشِّح، لا الاكتفاء بالحكم على أدائه في ساعة المقابلة؟ وهل يمتلك أعضاء اللجنة مهارة طرح الأسئلة العميقة التي تكشف ما وراء الإجابات الجاهزة؟
وفي اعتقادي أنَّ ضعفَ بعض الموظفين يعودُ في جزءٍ كبيرٍ منه إلى ضعف انتقاء الكفاءات منذ البداية؛ فالموظف الذي لا يمتلك الخصائص والقدرات التي تتطلبها الوظيفة قد لا يكون هو المشكلة وحده، وإنما قد تكون المشكلة فيمن اختاره، ثم فيمن أبقاه، ثم فيمن نقله إلى موقعٍ أكثر حساسية رغم ثبوت عدم ملاءمته.
وأذكرُ أنَّ إحدى المؤسسات اختارت مترشِّحًا لوظيفة، ثم تبيَّن لها بعد مباشرته العمل أنَّه لا يمتلك الخصائص المناسبة لها، وكان بإمكانها أن تعتذر منه خلال الأشهر الثلاثة الأولى، وهي فترة التجربة التي شُرعت أصلًا للتأكد من مدى ملاءمة الموظف للوظيفة، ومن قدرته على أداء مهامها والانسجام مع بيئة العمل. غير أنَّ المؤسسة جدَّدت له فترة التجربة ثلاثة أشهر أخرى، وهو قرارٌ يثير التساؤل؛ فإذا كانت الأشهر الثلاثة الأولى قد كشفت عن عدم كفاءته، فما الذي استجدَّ في التقييم ليبرر منحه فرصةً إضافية؟
ثم انتهت فترة التجربة، وتم تثبيته في الوظيفة، رغم أنَّ المؤشرات السابقة لم تكن تبشِّر بقدرته على النجاح فيها. وبعد ذلك تسبب في عددٍ من المشكلات أثناء عمله، فبدلًا من معالجة أصل المشكلة، أو إعادة النظر في مدى صلاحيته للموقع، نُقل إلى وظيفةٍ أكثر حساسية، فإذا بالفشل ينتقل معه إلى موقعٍ جديد، وربما أصبح أثره أكبر وأشد خطرًا.
وهُنا نتطرق إلى الأسباب الإدارية والنفسية التي تؤدي بلجان المقابلات الشخصية إلى استبعاد الكفاءات الحقيقية واختيار عناصر أقل كفاءة، بمعزل عن مستوى المترشحين أنفسهم، وتتمثل أبرز هذه الأسباب فيما يلي:
أولًا: غياب المعايير الموضوعية الموحدة: حينما تغيب المعايير الموضوعية يعتمدُ أعضاء اللجان على الانطباعات الشخصية والحدس الفردي بدلًا من اتباع نماذج التقييم السلوكي المنهجية (Behavioral Competency Frameworks)، مما يجعل الاختيار خاضعًا للأهواء المزاجية لأعضاء لجان التوظيف.
وتؤكِّد بعض الدراسات مثل: "Structured Interviews" أو (المقابلات المنظمة) أنَّ المقابلات العشوائية وغير المهيكلة التي تقودها لجان ضعيفة الكفاءة تفشل في التنبؤ بالأداء بنسبة تصل إلى النصف، وتوصي بالاعتماد على أسئلة سلوكية موحدة ومعايير مقننة.
ثانيًا: تحيُّز الانطباع الأول (Primacy Bias)؛ وذلك عند تكوين حكم إيجابي أو سلبي عن المترشح خلال الدقائق الأولى من المقابلة، والتركيز على إثبات هذا الحكم طوال بقية الوقت متجاهلين الكفاءة الفعلية، فقد لا يروق للأعضاء رأي المترشح في أمرٍ ما أو يفسِّرونه على أنَّه مثلًا تعالي، أو غباء أو تحذلق أو على العكسِ من ذلك ثم يبقى هذه الانطباع عنه طوال المقابلة.
ثالثًا: تحُّيز التشابه (Similarity Bias)؛ وذلك عند ميل أعضاء اللجنة بشكل لا شعوري لتقييم المترشحين الذين يشبهونهم في خلفياتهم التعليمية، أو أساليب حديثهم، أو اهتماماتهم، على حساب الكفاءة المهنية المحضة.
رابعًا: تأثير الهالة (Halo Effect)، ويعني السماح لسمة بارزة واحدة للمترشِّح على سبيل المثال: المظهر الخارجي، أو طلاقة الحديث السطحية، أو التخرُّج من جامعة شهيرة، بطمس أو تضخيم تقييم باقي المهارات الجوهرية للوظيفة.
خامسًا: ضعف مهارات المقابلة لدى أعضاء اللجنة: افتقار العديد من المسؤولين لتدريب متخصص في تقنيات المقابلات المنظمة، وعدم معرفتهم بكيفية صياغة أسئلة تقيس الكفاءات العميقة بدلًا من الأسئلة التقليدية المتوقعة. يتخبَّط بعض الأعضاء في أسئلتهم العشوائية، ويقفزون من موضوع إلى آخر دون أن يكون لديهم مسار واضح نحو النتيجة التي يريدون الوصول إليها.
ويفصِّل كتاب Armstrong’s Handbook of Human Resource Management Practice) كيف يؤدي القصور في تدريب أعضاء لجان الاختيار إلى هدر الطاقات المؤسسية واستقطاب أشخاص يفتقرون للقدرة الفعلية على الإنجاز.
سادسًا: صراع المصالح والمحسوبية الخفية؛ ويتمثَّل ذلك في ضغوط العلاقات الشخصية أو المجاملات الإدارية التي تدفع بعض أعضاء اللجنة لتوجيه المقابلة نحو مرشح محدد مسبقًا وتصيُّد أخطاء الكفاءات الحقيقية.
سابعًا: وتحدث عندما يطغى رأي رئيس اللجنة على بقية الأعضاء، فيتحول الاجتماع من مناقشة مهنية متعددة الآراء إلى موافقة جماعية على رأيٍ واحد، وكأن بقية الأعضاء حضروا لاستكمال النصاب لا للمشاركة في صناعة القرار. وقد يحدث أن يبدي أحد الأعضاء ملاحظة مهمة على أحد المترشحين، ثم يتدخل رئيس اللجنة برأيه، فتتراجع بقية الأصوات أو تصمت، حتى ينتهي الأمر إلى القرار الذي يراه الرئيس.
ثامنًا: إخراج المقابلة الوظيفية من إطارها: المقابلة الوظيفية ليست مسابقةً في سرعة الإجابة، ولا اختبارًا لقدرة المترشح على استحضار المعلومات تحت ضغط الوقت، وإنما هي في أصلها أداة للتعرُّف إلى الإنسان الذي يقف أمام اللجنة: كيف يعبِّر عن نفسه، وكيف يفكر، وكيف يتعامل مع المواقف، وما ملامح شخصيته، وكيف يتخذ القرار، وما درجة نضجه واتزانه، ومدى ملاءمته للوظيفة وبيئة العمل.
لكن بعض اللجان تُخرج المقابلة عن غايتها، فتحولها إلى امتحانٍ مفاجئ في مسائل رياضية أو فنية معقدة، تحتاج إلى وقت للتفكير والتحليل أو إلى ورقة وقلم أو إلى مراجعة معلومات، ثم تُبنى عليها أحكامٌ واسعة حول كفاءة المترشح وشخصيته.
هذه مجموعةٌ من الأخطاء التي قد تقع فيها لجان التوظيف، فتتجاوز آثارها لحظة المقابلة إلى خساراتٍ إداريةٍ وبشريةٍ طويلة الأمد؛ ذلك أنَّ عدم اختيار الكفاءة المناسبة لا يعني مجرد إضاعة فرصة على مترشح، وإنما قد يعني إدخال عنصرٍ غير مناسب إلى منظومة العمل، ثم تحمُّل تبعات ذلك في الأداء والإنتاجية والوقت والموارد، وربما اضطرار المؤسسة لاحقًا إلى معالجة نتائج قرارٍ كان يمكن تجنُّبه منذ البداية.
ومن هنا، فإنَّ على كل مؤسسةٍ حكوميةٍ أو خاصة أن تأخذ هذه الأخطاء مأخذ الجد، وأن تنظر إلى لجان التوظيف بوصفها خط الدفاع الأول عن كفاءة المؤسسة ومستقبلها، لا مجرد لجنةٍ إجرائية لاستكمال متطلبات التعيين.
فالمؤسسات لا تُبنى بالأنظمة والهياكل وحدها، وإنما يبنيها الإنسان الذي يشغل هذه الهياكل، وكلما أحسنت المؤسسة اختيار الإنسان المناسب، قلَّت عليها كلفة التدريب والتصحيح والمعالجة، وارتفعت قدرتها على الإنجاز والاستمرار.
ولذلك فإنَّ اختيار الموظف ليس قرارًا عابرًا؛ إنه استثمارٌ في مستقبل المؤسسة، والخطأ فيه قد يكون أكثر كلفةً من أن يظهر أثره في يومه الأول.
