موظف.. بين نمطية الفوضى ودقة النظام

 

 

 

بدرية الجساسي **

 

ليس كل ما اعتدناه صحيحًا، وليس كل ما ألفناه هو بالضرورة الطريقة الأفضل للعمل. أحيانًا تتحول الفوضى مع مرور الوقت إلى نمط مألوف، ويصبح العشوائي في نظر صاحبه نظامًا، لأنه يعرف كيف يتحرك داخله، ومتى يتجاوز خطواته، وكيف ينجز مهامه بالطرق التي اعتاد عليها.

يعتاد بعض الموظفين على بيئات عمل لا تحكمها خطوات واضحة، ولا تستند إلى إجراءات دقيقة، ولا تسير وفق معايير ثابتة؛ فيتعلم الموظف مع الوقت كيف يتعامل مع هذا الواقع، وكيف ينجز عمله وفق اجتهاداته الشخصية، وكيف يجد لنفسه مسارات مختصرة تتناسب مع الفوضى القائمة.

ثم تأتي اللحظة التي ينتقل فيها إلى مؤسسة مختلفة تمامًا؛ مؤسسة تعرف ماذا تريد، وتحدد كيف يُنجز العمل، ومتى يبدأ، ومن المسؤول عنه، وما المعايير التي يُقاس بها، وما النتائج التي ينبغي الوصول إليها.

هنا تبدأ الصدمة!

يشعر الموظف أنَّ الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن مساحة الحركة التي اعتاد عليها قد ضاقت، وأن كل خطوة أصبحت محسوبة، وكل إجراء له مساره، وكل نتيجة لها معيار. وقد يشعر في بداياته بالإحباط، وربما يفسر هذا الشعور بأنه فشل أو عدم قدرة على التكيف، بينما الحقيقة في كثير من الأحيان أنه يمر بمرحلة إعادة تشكيل لعاداته المهنية؛ فهو لم ينتقل فقط من مؤسسة إلى أخرى، بل انتقل من ثقافة عمل إلى ثقافة مختلفة.

في المؤسسة الفوضوية قد يكون النجاح قائمًا على القدرة على التكيف مع الظروف، وعلى العلاقات الشخصية، وعلى معرفة منافذ تجاوز الإجراءات. أما في المؤسسة المنظمة، فإنَّ النجاح يرتبط بالالتزام، والدقة، والقدرة على العمل وفق خطوات واضحة، وتحمل المسؤولية عن النتائج.

ولهذا يجد الموظف نفسه بين طريقين: إما أن يتعلم النظام، ويعيد ترتيب أدواته المهنية، ويمنح نفسه الوقت الكافي حتى يصبح الالتزام بالإجراءات عادة جديدة؛ أو أن يظل أسيرًا للنمط القديم، فيقاوم كل محاولة للتنظيم، ويبحث عن مبررات لفشله في التكيف، حتى يجد نفسه تدريجيًا خارج المؤسسة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

والانسحاب لا يكون دائمًا بقرار رسمي؛ فقد يبدأ بانسحاب داخلي، حين يفقد الموظف رغبته في التطور، ثم يتحول إلى مقاومة مستمرة، ثم إلى عزلة مهنية، وربما ينتهي بترك المؤسسة بحثًا عن بيئة تشبه ما اعتاده.

لكن السؤال الأهم هنا: هل المشكلة في النظام؟ أم أن المشكلة في أننا اعتدنا الفوضى حتى أصبح النظام يبدو غريبًا؟

إن النظام ليس تقييدًا للموظف، بل حماية للعمل. والإجراءات الواضحة لا تصنع التعقيد، بل تقلل الاجتهادات المتباينة، وتمنح الجميع فرصة متساوية لمعرفة ما لهم وما عليهم.

وحين تكون المؤسسة دقيقة في أنظمتها، يصبح العمل أكثر وضوحًا، وتصبح النتائج أكثر قابلية للقياس، وتقل مساحة المحاباة والاجتهادات الشخصية، ويصبح تقييم الأداء قائمًا على معايير واضحة لا على الانطباعات.

وهنا تظهر أهمية القائد المنظم؛ فالقائد الذي يعرف ماذا يريد، ويحدد الطريق للوصول إليه، ويطبق المعايير على الجميع بعدالة، لا يصنع موظفين أكثر التزامًا فحسب، بل يصنع بيئة عمل أكثر استقرارًا وثقة.

قد يكون الانتقال من الفوضى إلى النظام مؤلمًا في بدايته، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى ما اعتاده، حتى وإن لم يكن الأفضل. لكن النضج المهني يبدأ عندما ندرك أن سهولة الفوضى ليست دليلًا على جودة العمل، وأن صعوبة النظام في بدايته لا تعني أنه سيئ؛ فالمؤسسة الناجحة ليست التي يستطيع الموظف أن يعمل فيها كما يشاء، وإنما التي يعرف فيها كل موظف ماذا يفعل، وكيف يفعله، ومتى يفعله، ولماذا يفعله، وكيف تُقاس نتيجة ما أنجزه.

وفي النهاية، قد يحتاج الموظف إلى بعض الوقت ليتخلص من آثار الفوضى التي اعتادها، لكن عليه أن يدرك أن النظام ليس عدوًا للموظف، بل أحد أهم أدوات نجاحه؛ فحين ينتظم العمل، تنضبط النتائج، وحين تتضح الإجراءات، تتحقق العدالة، وحين يكون القائد منظمًا ودقيقًا، يصبح الجميع أمام معيار واحد لا يتغير بتغير الأشخاص.

والفرق بين مؤسسة تنجح وأخرى تتعثر، قد لا يكون في حجم الإمكانات، بقدر ما يكون في قدرتها على تحويل العمل من اجتهادات فردية وفوضى معتادة إلى نظام واضح، ونتائج دقيقة، وعدالة يشعر بها الجميع.

 

** مديرة مدرسة بمحافظة الظاهرة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z