الإجراءات البريطانية ضد إسرائيل بسبب الاستيطان

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

زاد عدد المستوطنين الصهاينة منذ عام 1967؛ ففي ذلك العام الذي هُزمت فيه مصر والأردن وسوريا في ساعة واحدة، دخل المشروع الصهيوني مرحلة جديدة، وهي ما يُسمى بالاستيطان؛ حيث يحل الصهاينة محل أصحاب الأرض، ويكون مصيرهم الفرار من الأرض أو الإبادة، وبين هذين المصيرين يتم سرقة ممتلكاتهم وإتلاف محاصيلهم وهدم بيوتهم.

كل ذلك بدعم إسرائيل الرسمية ودعم الجيش والشرطة. والاستيطان في القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية، كما أنه جريمة حرب، وميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية سجل الاستيطان ضمن الجرائم التي تختص بها المحكمة.

وقد نشط المستوطنون في الضفة الغربية في الشهور الأخيرة تحت سمع وبصر الدول العربية والإسلامية والعالم كله، وبدعم أمريكي واضح. وكانت أوروبا كلها قد قررت مقاطعة المنتجات القادمة من أراضي المستوطنين، وحدثت قطيعة غير مستمرة لمراكز الأبحاث وبرامج التعاون بين الجامعات الأوروبية والصهيونية، ولكن ذلك لم يكن مؤثرًا في حركة الاستيطان وسلوكه.

والسؤال الكبير هو: لماذا بريطانيا تتخذ إجراءات ضد المستوطنين، وما هو مصير هذه الإجراءات في ضوء السياسة الرسمية الإسرائيلية لتشجيع الاستيطان، وهو الوسيلة الفعالة لتنفيذ المشروع الصهيوني على الأرض؟

نذكر بأن بريطانيا العظمى هي التي تكفلت برعاية المشروع الصهيوني تحت ستار الانتداب منذ مؤتمر فرساي عام 1918. ويتردد أن حكامًا عربًا، خاصة أبناء الشريف حسين، ودولًا عربية أخرى صنعتها بريطانيا العظمى ولم تكن على الخريطة، قايضوا وجودهم في السلطة بقبولهم إنشاء إسرائيل في فلسطين. وكاد المؤتمر أن يُعلن قيام إسرائيل لولا بعض الصعاب، وأبرزها أن الصهاينة في فلسطين في ذلك الوقت كانوا أقل من 1% من المجتمع الفلسطيني، ولذلك تعهدت بريطانيا العظمى بالإشراف على التهجير والتوطين في فلسطين. وسلامة بريطانيا العظمى المهمة لأمريكا بعد قرار التقسيم الذي كان أسطورة ابتلعتها الدول العربية وتواطأت فيها الأمم المتحدة والغرب.

أما الشعوب العربية، وخاصة مصر، كانت مشغولة بإجلاء الإنجليز الذين احتلوا مصر منذ عام 1882.

وهذه المرة الأولى التي اشتد فيها الموقف البريطاني ضد إسرائيل، ولكن للإنصاف مجالات متعددة؛ فالدعم العسكري البريطاني مستمر لإسرائيل، وبالتوازي فإن الإجراءات البريطانية ضد الاستيطان مستمرة أيضًا، وكأن الحكومة البريطانية غلبت على مساندة إسرائيل، والمشكلة الأساسية بالنسبة لبريطانيا هي الاستيطان.

وقطعًا تعلم بريطانيا أن الاستيطان هو أداة تطبيق المشروع الصهيوني الذي ناصرته وزرعت إسرائيل في المنطقة، ومع ذلك كانت بريطانيا ضمن الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، ومع ذلك أيضًا ترفع بريطانيا شعار حل الدولتين، وهي تعلم أن الاستيطان يجعل حل الدولتين أسطورة من الأساطير، وأن قرار التقسيم قدمته بريطانيا العظمى للأمم المتحدة عام 1947 على سبيل التدليس، ذلك أن بريطانيا العظمى تعلم علم اليقين أن المشروع الصهيوني يريد كل فلسطين ولا يقبل أن يقيم صاحب الدار إلى جانب اللص، ومع ذلك ترفع شعار حل الدولتين.

وكانت النتيجة أن توترت العلاقات البريطانية الإسرائيلية ظاهريًا، ولكن عمليًا تدعم الحكومة البريطانية التوطين، واتخذت هذا الموقف على سبيل ذر الرماد في العيون.

ولذلك نخلص من هذا التحليل إلى أنه لا قيمة مطلقًا لموقف الحكومة البريطانية من الاستيطان، ولو أرادت بريطانيا العظمى أن تسند الموقف البريطاني لقدمته إلى الاتحاد الأوروبي. صحيح أنها انسحبت من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات، ولكن تأثيرها السياسي لا يزال محسوسًا.

ومن الواضح أن موقف الحكومة البريطانية تم بالتنسيق مع أمريكا ومع إسرائيل، لكي ترسل رسالة أنها ليست ضد إسرائيل كدولة، وهي تعلم أن الاستيطان ضروري لتنفيذ المخطط الصهيوني.

والخطوة التالية هي أن يفر الفلسطينيون من الضفة الغربية إلى الأردن، وبذلك إذا انضم الفلسطينيون إلى المجتمع الأردني المكون في أغلبيته من الفلسطينيين على أرض فلسطينية، وذلك إيذان بإنهاء المملكة الأردنية الهاشمية وظهور الدولة الفلسطينية مكانها. وبذلك تحقق إسرائيل مخططها السابق في الوطن البديل، خاصة أن الأردن أقيم على أرض فلسطين وكان يسمى عند نشأته إمارة شرق الأردن، فلما انضمت الضفة الغربية إلى الأردن أصبح المملكة الأردنية الهاشمية، رغم اعتراض مصر في الجامعة العربية.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z