النهج العُماني في إدارة السياسة الخارجية

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

ترتكز سلطنة عُمان على رصيد حضاري كبير؛ حيث كانت إمبراطورية امتدت بين قارتي آسيا وإفريقيا، وهي تختلف عن دول الخليج؛ إذ تميزت في سياساتها الخارجية بتبني نهج خاص يعكس عمقها الحضاري وتاريخها الإنساني.

أولًا: ابتعدت عن الصراعات الإقليمية؛ فتحررت من المنازعات مع الدول الأخرى.

ثانيًا: اتسمت سياساتها الخارجية بالشجاعة، ومُمارسة دورها كوسيط مثالي، والوسيط المثالي يكون مقبولًا من الطرفين المتنازعين، ثم يصبح إيجابيًا؛ هدفه ليس لقاء الطرفين، وإنما التوصل إلى تسوية للنزاع. كما إن عُمان تجاوزت حدود الوساطة أحيانًا بإعلانها في مواجهة الأطراف عن الحق والباطل؛ فعندما توسطت بين إيران وأمريكا، أدانت السلوك الأمريكي، وأعربت عن رفضها الاعتداء على إيران.

والوساطة الإيجابية تختلف عن الوساطة السلبية؛ فالوساطة السلبية تحافظ على مسافة متساوية من الطرفين المتنازعين مثل وساطة قطر ومصر بين حماس وإسرائيل، أما الوساطة الايجابية مثل عُمان فإنها لا تتردد في إدانة العدوان الأمريكي على إيران.

والحكومة العُمانية تعكس مزاج الشعب العُماني الميَّال للسلمية والاستقرار ونبذ الحروب. وقد بدأت أرصد تطورات سياسة عُمان الخارجية منذ عام 1979، وترسخت نظرتي لعُمان، عندما انتُدِبتُ من حكومة البحرين وشغلت منصب المدير التنفيذي والمؤسس لمعهد البحرين للتنمية السياسية، وتوليتُ مُهمة تدريب سفراء عُمان في معهد الدراسات الدبلوماسية العُماني.

وتطورت علاقتي بعُمان، عندما زرتها في إطار التعاون بين المجلس المصري لحقوق الإنسان واللجنة العُمانية لحقوق الإنسان، ووصل التعاون الشخصي مع اللجنة العُمانية إلى درجة ملحوظة، وكان الهدف تحسين حالة حقوق الإنسان في البلدين.

وفي ندوة بالعاصمة القطرية الدوحة، حول حقوق الإنسان في العالم العربي، قدمتُ بحثًا مفاده أن حقوق الإنسان العربي لا يضمنها سوى العرب، أما الأجانب فيتاجرون بها، وبشعاراتها.

كما كان لافتًا أن سياسة عُمان الخارجية عام 1979، قررت الامتناع عن تنفيذ قرار "قمة بغداد" العربية الهادفة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل. وكانت سلطنة عُمان والسودان وجيبوتي هي الدول الثلاثة التي لم تقطع العلاقات مع مصر، بينما كان قرار القمة يقضي بقطع كل أشكال العلاقات مع مصر دبلوماسيًا وثقافيًا وقنصليًا وتجاريًا واقتصاديًا واستثماريًا.

 ومن حسن حظي أنني خدمتُ في البعثات المصرية في ذلك الوقت في الرياض وجدة بالمملكة العربية السعودية، ولمستُ عمق العلاقات العربية المصرية السعودية، رغم أن أمريكا كانت تمنع في ذلك الوقت التقارب بين مصر وأي من الدول العربية.

وموقف عُمان الذي عبَّر عنه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني، في مقال بمجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية الشهر الماضي، مصداق للسمات النبيلة للسياسة الخارجية العُمانية.

وقد لاحظت خلال الحرب العراقية الإيرانية أن كل الدول العربية في الخليج انحازت لصدام حسين ضد إيران، ثم انحازوا للكويت عندما احتلها صدام حسين وكل ذلك بإيعاز أمريكي. بينما اتخذت عُمان موقفًا متفردًا؛ حيث انحازت إلى الحق وإلى التسوية السلمية لإخراج العراق من أزمته، فدللت بذلك على أنها ملتزمة بقيم العروبة والإسلام.

وهكذا اختلفت عُمان عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، واستقلت عن سياسة المحاور والتحالفات الإقليمية التي كانت تهدد المنطقة العربية.

ولذلك أتطلع لتأليف كتابٍ عن السياسة الخارجية العُمانية الممتدة منذ بناء الدولة العُمانية الحديثة في سبعينيات القرن الماضي، بينما لم تتردد في أن تكون وسيطًا في المنازعات التي نشبت بين دول المنطقة، وبينها وبين الخارج؛ فأصبحت عُمان ضامنًا للاستقرار. وكلي يقين أنها ستواصل سياساتها الحالية في هذه المنطقة المضطربة.

وهكذا رأينا أن نسجل سمات السياسة الخارجية العُمانية حتى يعلم الشباب العربي أنَّ في العالم العربي نموذجًا للسياسة الخارجية المثالية، ولتكون عُمان نبراسًا للدول العربية، خاصة وأن عُمان لا تسعى إلى التنافس مع أحد، ولا تريد أن يكون لها نفوذ على أحد، ويكفي أن النموذج العُماني يحترمه الجميع؛ بما في ذلك الدول العظمى.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z