هيبة الترجمة (4)

الترجمة والذكاء الاصطناعي.. هل نحن بصدد مترجم جديد أم أداة متطورة؟

 

 

 

د. شيرين النوساني **

استكمالًا للخيط الذي بدأناه في 3 مقالات سابقة، تطرقنا فيها للحديث عن هيبة الترجمة، وعن علاقة المترجم بالنص، وعن الوهم الذي يخلط بين إتقان لغتين والكفاءة الترجمية، نواصل اليوم الغوص في تفاصيل وطبقات الحكاية، فإذا بسؤال يفرض نفسه بقوة ولا يكف عن الطرق على أبواب وعينا في هذا الزمن الرقمي: هل الذكاء الاصطناعي ينتج مترجمًا جديدًا صنعته الآلة؟ أم أنه مجرد أداة متطورة فحسب لا تغني عن المترجم البشري؟

الحقيقة أنَّ الترجمة في جوهرها لا يقتصر دورها على مجرد استبدال مفردات وتراكيب بين اللغات، بل هي عمليةُ تأويلٍ تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الثقافي، واستجلاءً لنبرة النص، واستكناهًا للمقاصد الخفية التي تكمن خلف عباراته. وهذه العملية، بما تنطوي عليها من تعقيدات، تظل بعيدة المنال عن الفهم الآلي الموثوق، مهما بلغت الخوارزميات من تطور.

صحيحٌ أن أدوات الترجمة الآلية شهدت تطورًا ملحوظًا ومتسارعًا وباتت قادرة على إنتاج نصوص سلسة ودقيقة في مجالات عدة، مثل النصوص الإخبارية والتقنية والعلمية التي تنسج عباراتها بلغةٍ وظيفية واضحة، تتجه في المقام الأول إلى أداء غرضها ونقل معناها. لكنها تظل أكثر تعرضًا للمخاطر حين تتعامل مع النصوص الأدبية والفلسفية والقانونية والدينية؛ حيث تكتظ اللغة بالتلميحات والمجاز والسخرية والإحالات الثقافية التي تستلزم فهمًا دقيقًا للسياق.

الآلة قد تنتج نصًا سليمًا لغويًا، لكنها لا تكفل فهمًا موثوقًا للنبرة، ولا تقرأ بين السطور بوعي، ولا تتحمل مسؤولية تأويل النص الذي تنتجه.

والمفارقة أنَّ الذكاء الاصطناعي، مع ما أبداه من قدرات، قد ساهم في إعادة تعريف قيمة المترجم البشري. فكلما ازدادت الآلة قدرة على إنتاج نصوص سليمة ظاهرًا، ازدادت الحاجة إلى عين بشرية تعرف كيف تراجع، وتصحح، وتضبط، وتعيد الصياغة حين يختل المعنى، وتتخذ قرارات تستلزم حسًا لغويًا وثقافيًا دقيقًا لا تزال الآلة عاجزة عن محاكاته على نحو ثابت.

المترجم البشري لا ينقل الكلمات فحسب، بل يحاول أن ينقل الأثر والمعنى بما يناسب القارئ في اللغة الأخرى، وقد يضطر إلى إعادة صياغة العبارة أو استبدال صورة بأخرى صونًا لمراد الكاتب. وهذا النوع من التصرف الإبداعي المسؤول يتطلب فهمًا عميقًا للغتين وثقافتيهما، وإحساسًا بما يليق بكل سياق، ووعيًا بالمسؤولية عن النص النهائي، وهو ما تظل الخوارزميات بمنأى عنه؛ لأنها لا تمتلك وعيًا سياقيًا ولا مسؤولية مهنية توجه القرار الترجمي.

غير أن هذا لا يعني أن دور المترجم سيبقى كما كان. فالذكاء الاصطناعي غيّر بالفعل طبيعة العمل الترجمي، وأصبح المترجم اليوم مطالبًا بامتلاك مهارات جديدة لم تكن بالضرورة مطلوبة من قبل. فإلى جانب إلمامه باللغات والثقافات، يحتاج المترجم اليوم إلى القدرة على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، واكتشاف الأخطاء التي تبدو صحيحة لغويًا، وممارسة ما يُعرف بالمراجعة اللاحقة للترجمة الآلية (post-editing) بكفاءة، والتحقق من المصطلحات والمعلومات في ضوء السياق الأوسع. بل يحتاج أيضًا إلى معرفة متى يستخدم الأداة، ومتى يرفض استخدامها، وإلى وعي دائم بأن المسؤولية المهنية عن النص النهائي تظل ملقاةً على كاهله وحده، وليست على عاتق الخوارزمية التي أنتجت النص الأولي.

لكن هنا يبرز سؤال أكثر دقة: إلى أي حد يمكن للمترجم أن يتدخل في نص أنتجته الآلة؟ وأين ينتهي التصحيح وتبدأ إعادة الترجمة؟ فبين مراجعة محدودة تحافظ على البنية التي اقترحتها الآلة، وإعادة بناء كاملة تمحو أثرها تقريبًا، تمتد منطقة وسطى لا تزال المعايير المهنية عاجزة عن تحديد حدودها بدقة. فإذا كان المترجم يعيد بناء النص من جديد، فما الذي يبقى من دور الآلة سوى إنتاج مسودة أولية؟ وإذا اكتفى بتصحيح ما تنتجه، فهل يتحمل وحده مسؤولية قرارات لغوية وتأويلية لم يتخذها ابتداءً؟

ولعل المسألة هنا لا تتعلق بكمية التعديلات التي يجريها المترجم بقدر ما تتعلق بمن يملك القرار النهائي في النص؛ فالآلة قد تنتج المسودة، لكن المترجم هو من يختار ما يُبقي عليه وما يرفضه وما يعيد صياغته، ومن ثم يمنح النص في صورته النهائية شرعيته المهنية. وكلما اتسع نطاق تدخله، اقترب عمله من إنتاج ترجمة بشرية استفادت من الآلة في مرحلة أولية، وكلما اقتصر تدخله على التصحيح، ازدادت الحاجة إلى تحديد حدود مسؤوليته عن نص لم يصنع قراراته كلها. وهنا لا يعود السؤال فقط: «من أنتج النص؟»، بل: «من اتخذ قراراته، ومن يتحمل مسؤولية ما يترتب عليها؟».

المشكلة ليست في الآلة، بل فيمن يستخدمها دون وعي، أو فيمن يستخدمها ليحل محل المترجم، أو فيمن يخفي استخدامها ويسوّق الناتج كأنه جهد شخصي. ولهذا، لا يصبح المترجم البشري أقل أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ بل تتعاظم أهميته؛ لأنه صار مطالبًا بأن يكون أكثر وعيًا، وأكثر تخصصًا، وأكثر قدرة على المراجعة والتحرير والتدقيق، وأكثر صراحةً وشفافية في الإفصاح عن أدواته.

الآلة أداة، والمترجم صانع، والأداة من شأنها أن تكون عونًا للصانع، لكنها لا تغني عنه، ولا تحل محله، ولا تنتزع عنه هيبته. فالآلة لا تتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه النص الذي تنتجه، أما المترجم فيضطلع بها، وهذه المسؤولية هي ما يمنح الترجمة هيبتها، ويصون المعنى من الضياع، ويحمي القارئ من التضليل.

** مُترجمة وأستاذة جامعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z