محمد أحمد سلامة
كانت كرة القدم عبارة عن هواية يمارسها البعض من أجل الترفيه عن أنفسهم، ولكنها بمرور الوقت أصبحت عبارة عن منظومة صناعية كبرى- إن جاز تشبيهها بذلك- وبتنا في كل يوم نشهد مزيدا من القوانين والضوابط التي تحكمها، وباتت مهنة تدر ملايين الدولارات لمن يجيدها، وللأندية، بل وحتى للدول سواء كان ذلك من خلال استضافة فعالياتها أو من خلال الفوز بالجوائز التي ترصد من قبل الاتحاد الدولي "الفيفا"، وفي إطار ضبط اللعبة وتصرفات اللاعبين جاء في القوانين الجديدة معاقبة اللاعب الذي يحتفل بخلع قميصه بعد تسجيل هدفا بالبطاقة الصفراء.
وتسجيل الهدف لحظة استثنائية في كرة القدم، ومن الطبيعي أن ينفجر اللاعب فرحًا عندما تهتز الشباك، لكن بعض مظاهر الاحتفال تجاوزت حدود التعبير عن الفرح إلى سلوك قد يكلّف الفريق كثيرًا؛ فقوانين اللعبة أصبحت واضحة للجميع.
قد يبدو الأمر في لحظته مجرد احتفال عابر أو لحظة عناد من اللاعب نفسه، خصوصًا عندما يأتي الهدف في مباراة حاسمة، لكن كرة القدم لا تُدار بالعاطفة وحدها، فاللاعب مطالب بأن يدرك أن البطاقة التي يحصل عليها بسبب احتفاله قد تتحول لاحقًا إلى مشكلة لفريقه، خصوصًا إذا كان يحمل بطاقة سابقة، أو إذا كانت المباراة في مراحلها الحاسمة، أو مرتبطة بإمكانية دخولها في حسابات التأهل لمراحل قادمة من خلال اللجوء الى مسألة "اللعب النظيف".
وتقدم تجربة منتخب سلطنة عُمان في مباراته ضد الكويت ضمن منافسات "خليجي 27"، مثالًا واضحًا على أهمية التعامل مع هذه المسألة بقدر أكبر من الوعي والانضباط، فقد كاد المنتخب العُماني أن يدفع ثمن هذه التفاصيل غاليًا، وأن يجد نفسه في موقف صعب في سباق التأهل إلى نصف النهائي بسبب تبعات مرتبطة بالبطاقات والانضباط، في وقت تكون فيه كل بطاقة وكل قرار داخل الملعب مؤثرًا في مصير المنتخب.
والأمثلة كثيرة على تجاوزات اللاعبين منها على سبيل المثال خلع اللاعب المصري محمد صلاح لقميصه بعد إحرازه الهدف الثالث في فريق غلاطة سراي التركي، وواقعة الكاميروني فينسنت أبو بكر الشهيرة في كأس العالم قطر 2022، عندما سجل هدفا قاتلا في مرمى البرازيل، وخلع قميصه احتفالا بالهدف، ليحصل على البطاقة الصفراء، ليغادر الملعب مطرودا بعد أن كان قد تلقى كرتا أصفر قبل ذلك، لتصبح الواقعة مثالا واضحا على الكيفية التي يمكن أن تدخل بها الانفعالات والبطاقات في تفاصيل مباراة كبيرة.
المشكلة هنا ليست في الاحتفال نفسه؛ فالفرحة حق مشروع للاعب والجماهير، وإنما في اختيار الطريقة المناسبة للتعبير عنها، هناك عشرات الطرق التي يستطيع اللاعب من خلالها الاحتفال بهدفه دون أن يعرّض نفسه أو فريقه للعقوبة، فلماذا المخاطرة ببطاقة صفراء من أجل ثوانٍ من الاحتفال، بينما قد يحتاج الفريق أو المنتخب بعد دقائق اللاعب للدفاع عن تقدمه أو لتحقيق هدف آخر؟
الأمر يحتاج إلى دور أكبر من الأجهزة الفنية والإدارية؛ فالمدربون مطالبون بتذكير اللاعبين قبل المباريات بأهمية الانضباط، خصوصا في البطولات القصيرة التي قد تحسمها بطاقة واحدة أو تفصيل صغير، واللاعب المحترف لا يُقاس فقط بقدرته على تسجيل الأهداف، وإنما كذلك بقدرته على إدارة مشاعره وقراراته في اللحظات الحاسمة.
وتجربة سلطنة عُمان، وواقعة أبو بكر في مونديال قطر، تقدمان درسا واحدا: كرة القدم لا تُلعب بالمهارة فقط، وإنما بالتركيز والانضباط وإدارة التفاصيل الصغيرة، وقد يكون الهدف سببا في الاقتراب من التأهل، لكن بطاقة غير ضرورية قد تعيد الفريق خطوات إلى الوراء.
فاللاعب الذي يعرف قيمة القميص الذي يرتديه يجب أن يعرف أيضا متى يفرح وكيف يفرح، وفي المباريات الكبيرة، قد تكون الثواني التي تلي الهدف مهمة بقدر الثواني التي سبقته.
لذلك، فإن المطلوب ليس قتل فرحة اللاعبين أو تحويل كرة القدم إلى لعبة بلا مشاعر، وإنما الوصول إلى معادلة بسيطة: افرح بالهدف، احتفل مع زملائك وجماهيرك، لكن لا تمنح الحكم بطاقة مجانية قد يدفع فريقك ثمنها لاحقا، ويجب أن نضع في الحسبان بأن الاحتفال الذكي لا يقل أهمية أحيانا عن الهدف الذي جاء به.
