سُلطان بن خلفان اليحيائي
منذ أن بدأت عُمان رحلتها مع النفط لم تكن شركة تنمية نفط عُمان مجرد شركة تستخرج النفط من باطن الأرض؛ بل كانت إحدى المؤسسات التي ارتبط اسمها بمسيرة بناء الاقتصاد العُماني الحديث. فمنذ اكتشاف النفط بكميات تجارية في ستينيات القرن الماضي وبدء التصدير أصبحت الشركة في قلب صناعة الطاقة العُمانية تدير موردًا كان وما زال أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني.
لكن ما شاهده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- خلال زيارته الأخيرة للشركة لم يكن مجرد فصل جديد في تاريخها؛ بل مشهد يكشف أن صناعة النفط العُمانية دخلت مرحلة مختلفة. مرحلة لا تقاس فيها قوة المؤسسة بحجم ما تستخرجه من الأرض فقط وإنما بقدرتها على قراءة ما تحت الأرض وما فوقها وتحويل البيانات إلى قرارات والمعرفة إلى إنتاج والكفاءة إلى قيمة مضافة.
وفي أبريل 2024 جاء تعيين الدكتور أفلح بن سعيد الحضرمي مديرًا عامًا لشركة تنمية نفط عُمان ليحمل دلالة تاريخية تتجاوز التغيير الإداري؛ فقد أصبح أول عُماني يتولى هذا المنصب منذ تأسيس الشركة. ولم يكن الرجل غريبًا عن هذه الصناعة؛ فقد سبق له أن تولى مواقع تنفيذية في قطاع النفط والغاز والطاقة من بينها الرئيس التنفيذي لشركة الغاز المتكاملة وشركة الشوامخ للخدمات النفطية إلى جانب خبرات مهنية في شركات عالمية ومحلية في صناعة الطاقة.
الحضرمي لم يدخل مؤسسة ناشئة ليؤسسها من جديد وإنما دخل واحدة من أعرق المؤسسات النفطية في عُمان مؤسسة تمتلك خبرة تراكمية وأصولًا ضخمة ومنظومة تشغيلية واسعة. ولذلك لم يكن التحدي الحقيقي هو المحافظة على ما هو قائم فقط وإنما دفع المؤسسة إلى أن تكون أكثر استعدادًا للمستقبل. والذي حدث خلال فترة زمنية قصيرة يستحق أن يُقرأ باعتباره تحولًا في طريقة التفكير قبل أن يكون تحولًا في الأدوات.
التكنولوجيا في تنمية نفط عُمان لم تعد أدوات مُسانِدة للعمل؛ بل أصبحت جزءًا من صميم العملية التشغيلية. والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتقنيات الرقمية والتنبؤ بالأعطال وتحسين أداء الآبار وإدارة الطاقة والمياه، كلها أصبحت تدخل في صناعة القرار والبحث عن مزيد من الكفاءة والإنتاجية.
وتكشف المبادرات التقنية عن حجم هذا التوجه؛ فهناك نحو 30 مبادرة تقنية رئيسة قيد التجريب لمعالجة تحديات تشغيلية حقيقية إلى جانب 22 تقنية جديدة في مجالات إدارة الطاقة والمياه والرفع الاصطناعي وإنشاء الآبار وغيرها. وهذا هو الفارق بين مؤسسة تستخدم التقنية ومؤسسة تعيد بناء طريقة عملها حول التقنية.
ثم يأتي «بيت الهيثم» ليجسد هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا. ولكي ندرك حجم ما يعنيه هذا المركز فإن الأرقام تتحدث بوضوح أكبر من العبارات، فمنه تتم متابعة منظومة تضم 227 حقلًا نفطيًا و39 حقلًا للغاز و29 محطة إنتاج رئيسة و15 محطة كهرباء بقدرات تصل إلى 1400 ميغاواط وأكثر من 13 ألف بئر نشطة فيما يعمل في المركز 279 موظفًا تبلغ نسبة التعمين بينهم نحو 95 بالمائة.
هذه ليست غرفة مراقبة تتراكم فيها الشاشات وإنما عقل تشغيلي مركزي يربط منظومة واسعة من الحقول والآبار ومحطات الإنتاج والطاقة ويتيح مراقبة البيانات وتحليلها واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي.
في الصناعة النفطية التقليدية كان الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى الذهاب إلى موقعها. أما في الصناعة الذكية فتصل المعلومة إلى مركز القرار في لحظتها وتأتي معها القدرة على تحليلها وربطها بغيرها والتنبؤ بما قد يحدث قبل أن يتحول الخلل إلى مشكلة. وهنا تظهر القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي. فهو ليس بديلًا عن الإنسان وإنما أداة تمنحه قدرة أكبر على الرؤية والفهم واتخاذ القرار. ولذلك فإن الاستثمار في التقنية هو في جوهره استثمار في الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها.
والأهم أن هذه المنظومة يقف خلفها جيل من الكفاءات العُمانية. فبيت الهيثم لا يمثل نافذة على المستقبل فحسب؛ بل يقدم نموذجًا لقدرة الكفاءات الوطنية على إدارة صناعة طاقة بهذا الحجم والتعقيد.
ومن هنا يمكن فهم تجربة الدكتور أفلح الحضرمي بصورة أعمق؛ فالإنجاز الإداري لا يقاس بعدد المشاريع التي تُفتتح وإنما بقدرة القيادة على تحويل المؤسسة من ثقافة التشغيل إلى ثقافة التطوير ومن انتظار المشكلة إلى التنبؤ بها ومن التعامل مع البيانات بوصفها أرقامًا إلى التعامل معها بوصفها أصلًا استراتيجيًا.
وربما كانت الدلالة الأبرز أن أول عُماني يتولى قيادة هذه المؤسسة التاريخية لم يجد أمامه مهمة إدارة الماضي؛ بل مسؤولية الاستعداد للمستقبل.
وحين يقف جلالة السلطان المعظم داخل "بيت الهيثم" ويرى هذه المنظومة وهي تعمل؛ فإنه لا يشاهد مشروعًا تقنيًا لشركة واحدة وإنما يرى نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه مؤسسات الدولة عندما تتكامل الخبرة الوطنية مع العلم والتقنية والإدارة الحديثة.
وقد دوّن عاهل البلاد المفدى- أيده الله- في سجل كبار الزوار كلمة تختصر جانبًا مهمًا من دلالة هذا التحول فكتب: "لقد أبهجتنا كثيرًا هذه الزيارة لشركة تنمية نفط عُمان في هذا الموقع المتميز اليوم 12 مايو 2026م وزادت بهجتنا بافتتاح (بيت الهيثم). هذا الصرح العلمي العملي الرائع الذي يقف شاهدًا على إنجاز عقول وسواعد أبناء عُمان وتطلعهم إلى مواكبة كل جديد ومبتكر في العلوم وخصوصًا في الحوسبة الرقمية وذلك في سعيٍ حثيثٍ منهم لتحسين الإنتاج وزيادته وتخفيض كلفه مستعينين بالله ومقدّرين دورهم الوطني في تحقيق النهضة المتجددة ومؤدين واجبهم تجاه هذا البلد المعطاء الذي يستحق كل فكرٍ وجهدٍ صادقين".
ولعل هذه الزيارة تختصر رسالة أكبر من النفط نفسه؛ فالثروة الحقيقية ليست أن يكون تحت الأرض نفط وإنما أن يكون فوق الأرض إنسان يمتلك العلم والخبرة والقدرة على تحويل هذه الثروة إلى معرفة وتقنية وكفاءة وقيمة ومستقبل.
وهنا تتحول تنمية نفط عُمان من شركة تدير موردًا ناضبًا إلى مؤسسة تبني قدرة وطنية على إدارة المستقبل.
