د. رحمة بنت سليمان الخروصية
في مجتمع يؤمن بأن الإنسان محور التنمية، لا ينبغي أن تكون القدرة على التواصل امتيازًا يحصل عليه البعض دون غيرهم. ومن هنا، فإن تعليم لغة الإشارة في المدارس العُمانية لم يعد فكرة تعليمية جذابة فحسب، بل خطوة تستحق أن ننظر إليها باعتبارها استثمارًا في الإنسان، وفي تماسك المجتمع وأمنه واستقراره.
تبدأ الحكاية من المدرسة؛ المكان الذي لا يتعلم فيه أبناؤنا القراءة والكتابة والعلوم فقط، وإنما تتشكل فيه أيضًا قيمهم وسلوكياتهم ونظرتهم إلى الآخرين. فإذا تعلم الطالب منذ سنواته الدراسية الأولى أساسيات لغة الإشارة، فإنه لا يكتسب لغة جديدة فحسب، بل يتعلم كيف يتواصل مع زميل أصم أو ضعيف السمع، وكيف يتقبل الاختلاف، وكيف يحول مفهوم الدمج من شعار إلى ممارسة يومية.
الأشخاص الصُم وضعاف السمع لا يحتاجون دائمًا إلى أن يتكيفوا هم مع المجتمع، بل يحتاج المجتمع أيضًا إلى أن يخطو خطوة باتجاههم.
وتكمن أهمية تعليم لغة الإشارة في أنها تفتح أبوابًا للاندماج الاجتماعي، وتحد من العزلة، وتعزز الشعور بالانتماء والأمان النفسي والاجتماعي. فعندما يستطيع الشخص التعبير عن احتياجاته وفهم من حوله والتواصل معهم، يصبح أكثر قدرة على المشاركة في التعليم والعمل والحياة العامة، وأكثر شعورًا بأنه جزء فاعل من المجتمع.
وهنا يرتبط الأمر بمفهوم أوسع للأمن. فالأمن ليس حماية الإنسان من الخطر فقط، بل أن يشعر بأنه يستطيع الحصول على المساعدة عندما يحتاج إليها. ماذا يحدث، على سبيل المثال، إذا تعرض شخص أصم لحادث ولم يستطع التواصل مع المسعف؟ أو أراد تقديم بلاغ ولم يستطع شرح ما حدث لرجل الشرطة؟ أو وجد نفسه في حالة طارئة لا يستطيع فيها إيصال احتياجاته؟
لهذا فإنَّ لغة الإشارة ينبغي ألا تبقى محصورة في المؤسسات المتخصصة، بل يجب أن تصل إلى القطاعات التي تتعامل مباشرة مع حياة الإنسان وأمنه. ومن المهم أن يمتلك عدد من العاملين في الشرطة والإسعاف والطوارئ والمستشفيات والخدمات الاجتماعية مهارات عملية في لغة الإشارة تتناسب مع طبيعة الخدمات التي يقدمونها.
وفي هذا السياق، يبرز المطار بصورة خاصة؛ فالمطار ليس بوابة للسفر فقط، وإنما هو في كثير من الأحيان أول لقاء للزائر مع الدولة وثقافتها وقيمها.
تخيلوا الرسالة التي نقدمها للعالم عندما يصل سائح أصم إلى أحد مطارات سلطنة عُمان، فيجد موظفًا يستطيع الترحيب به بلغة الإشارة، وآخر يستطيع توجيهه إلى بوابة السفر أو مساعدته في استلام أمتعته أو التعامل مع احتياجاته دون أن يشعر بالعجز أو الحرج.
قد تكون إشارات بسيطة، لكنها تقول الكثير عن عُمان.
إن وجود موظفين مؤهلين بلغة الإشارة في المطارات والمنافذ وخدمات المسافرين والفنادق والمواقع السياحية يعكس ثقافة المجتمع العُماني في احترام الإنسان ورعايته، كما يضيف بُعدًا مهمًا إلى تجربة السائح ويعزز مفهوم السياحة الميسّرة للجميع.
والسائح من ذوي الإعاقة لا يسافر منفردًا بالضرورة؛ فقد يسافر مع أسرته أو أصدقائه، ولذلك فإن تطوير الخدمات المهيأة لهذه الفئات يمكن أن يحمل قيمة اجتماعية واقتصادية وسياحية في الوقت نفسه.
ومن هنا، فإنَّ لغة الإشارة ليست قضية اجتماعية فقط، بل لها امتدادات اقتصادية وتنموية أيضًا. فكلما تمكّن الأشخاص الصم وضعاف السمع من الوصول إلى التعليم والخدمات وفرص العمل بصورة أكثر استقلالية، ازدادت قدرتهم على المشاركة والإنتاج وريادة الأعمال والإسهام في الاقتصاد.
ولتحقيق ذلك، يمكن أن تكون المدرسة نقطة البداية. وليس المطلوب أن يصبح كل طالب مترجمًا متخصصًا في لغة الإشارة، وإنما أن يمتلك أبناؤنا قدرًا أساسيًا من مهارات التواصل: التحية، والتعريف بالنفس، والأرقام، والاتجاهات، وطلب المساعدة، والتعبير عن الاحتياجات اليومية، وبعض إشارات السلامة والطوارئ.
ويمكن تقديم هذه المهارات بصورة تدريجية من خلال الأنشطة المدرسية والأندية الطلابية والبرامج التطوعية، وصولًا إلى تطوير مسارات اختيارية أكثر تقدمًا للراغبين فيها. والأهم أن يشارك الأشخاص الصم والمتخصصون في لغة الإشارة في تصميم هذه البرامج؛ لأن الدمج الحقيقي لا يعني أن نصمم الحلول لفئة ما دون مشاركتها، بل أن نصممها معها.
وقد يكون من المناسب أن نتطلع إلى مبادرة وطنية بعنوان «عُمان تتحدث بالإشارة»، تنطلق من المدارس وتمتد تدريجيًا إلى المؤسسات الأكثر اتصالًا بالجمهور، وفي مقدمتها المطارات والشرطة والإسعاف والمستشفيات والخدمات الاجتماعية والقطاع السياحي.
مبادرة كهذه يمكن أن تحول لغة الإشارة من مهارة يعرفها عدد محدود من المتخصصين إلى ثقافة مجتمعية، وأن تجعل القدرة على التواصل مع الأشخاص الصم جزءًا من جودة الخدمة في المؤسسات.
فنحن حين نعلم أبناءنا لغة الإشارة، لا نعلمهم مجموعة من الحركات، بل نعلمهم أن الإنسان يستحق أن يُفهم وأن يُسمع بطريقته، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز يمنع المشاركة أو يضعف الشعور بالأمن والانتماء.
إنَّ تعليم لغة الإشارة ونشرها في المدارس والمؤسسات الخدمية ليس خيارًا إضافيًا؛ بل ضرورة إنسانية ومجتمعية وتنموية؛ لأن المجتمعات لا تُقاس قيمها بما تعلنه من مبادئ فحسب، وإنما بما تحوّله من تلك المبادئ إلى سلوك وممارسات يلمسها الإنسان في حياته اليومية؛ فالقيم الحقيقية تُقاس بالسلوك، والدمج الحقيقي يبدأ عندما يجد كل إنسان من يفهمه ويصغي إليه ويمنحه حقه الكامل في أن يكون جزءًا فاعلًا من المجتمع.
ومن هنا، فإن لغة الإشارة ليست خيارًا؛ بل ضرورة.
