الجبل الأخضر.. عاصمة للسياحة الخليجية بطموح يتجاوز الحدود

 

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

حين يُعلن اختيار الجبل الأخضر عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2027، فإنَّ الخبر لا يحمل لنا فرحة هذا الاختيار فقط، وإنما يفتح أمامنا بابًا أوسع للتفكير في مستقبل هذه الوجهة التي تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون أكبر من مجرد وجهة سياحية.

الجبل الأخضر ليس طبيعة جميلة ومناخًا معتدلًا فحسب؛ بل هو قصة متكاملة تجمع بين المدرجات الزراعية، والقرى التراثية، والورد والخوخ والجوز والرمان، والمنتجات المحلية، إلى جانب الاستثمارات السياحية المتنامية وتنوع أماكن الإقامة والأنشطة؛ وهي مقومات أسهمت في ترسيخ مكانته واختياره عاصمة للسياحة الخليجية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بعد 2027؟

فإذا كان طموحنا أن ينتقل الجبل الأخضر من عاصمة للسياحة الخليجية إلى وجهة عربية، ثم إلى وجهة عالمية، فإننا بحاجة إلى رؤية سياحية تتجاوز الفعاليات الموسمية إلى صناعة سياحية متكاملة، تستثمر كل ما يزخر به الجبل من مقومات.

السائح اليوم لا يبحث عن صورة يلتقطها ثم يغادر؛ بل يبحث عن تجربة يعيشها وقصة يرويها وهنا يمكن أن يكون التحدي الحقيقي: هل يستطيع الزائر أن يقضي في الجبل الأخضر ثلاثة أو أربعة أيام، ويجد في كل يوم تجربة جديدة تستحق أن يعيشها؟ فإطالة مدة إقامة السائح تعني إنفاقًا أكبر، وفرصًا أوسع للمشاريع المحلية، وفائدة اقتصادية تمتد إلى قطاعات متعددة؛ فلماذا لا نفكر مستقبلًا في مشاريع نوعية تثري تجربة الزائر، مثل التلفريك، ليمنح السائح تجربة مختلفة لمشاهدة الجبل ومدرجاته وقراه التراثية؟ ولماذا لا نتوسع في مسارات المغامرات والمشي الجبلي، ونقاط المشاهدة من أعلى القمم، بما يضيف بُعدًا جديدًا لتجربة الزائر؟

ويمكن كذلك تحويل ما يتميز به الجبل من منتجات زراعية إلى تجارب سياحية حقيقية؛ تبدأ من الزراعة والحصاد وجني المحاصيل، وتمتد إلى التعريف بالموروثات الشعبية والفلكلورية الضاربة في القدم، ليجد الزائر أمامه تجربة متكاملة، وليس مجرد زيارة عابرة.

وإذا كان طموحنا أن يصل الجبل الأخضر يومًا إلى مستوى الوجهات العربية والعالمية، فإن سهولة الوصول يجب أن تكون جزءًا من هذه الرؤية؛ فلماذا لا تُدرس مستقبلًا إمكانية إنشاء مطار يخدم الجبل الأخضر والمناطق السياحية المحيطة به، إذا أثبتت الدراسات الاقتصادية والسياحية جدواه؟ كما أن مشروع الطريق المقترح لربط محافظة جنوب الباطنة بولاية الجبل الأخضر، والذي سبق طرح مناقصة لتصميمه وتنفيذه، نأمل أن يحظى بأولوية في المرحلة المقبلة، لما يمثله من أهمية في تعزيز الحركة الاقتصادية والاجتماعية والسياحية بين المحافظتين، وفتح منفذ إضافي للوصول إلى الجبل الأخضر.

قد تبدو هذه الأفكار طموحة، لكنها تستحق أن تكون على طاولة التخطيط إذا كان الهدف هو صناعة وجهة تنافس إقليميًا وعربيًا وعالميًا.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تكون للجبل الأخضر هوية سياحية واضحة وشعار بصري مميز، يحملان قصة المكان وخصوصيته، ويكونان حاضرين في الحملات الترويجية داخل سلطنة عُمان وخارجها فحين نريد أن نقدم الجبل الأخضر للسائح، فإن الصورة والاسم والهوية والمعلومات التي تصاحبها هي ما يترسخ في ذاكرته، ويجعل للمكان حضورًا يمكن تمييزه وتذكره حتى بعد انتهاء الرحلة.

السياحة ليست مجرد أعداد من الزوار أو فعاليات تقام في مواسم محددة، بل قطاع اقتصادي يمكن أن يرفد الاقتصاد الوطني بعوائد مستدامة، ويعزز مساهمته في الناتج المحلي والميزانية العامة للدولة كما أن تنامي هذا القطاع يمكن أن يخلق فرصًا وظيفية متعددة في الإيواء والضيافة والنقل والإرشاد السياحي والمشاريع الصغيرة والخدمات والمنتجات المحلية، بما يسهم في تقليص قائمة الباحثين عن عمل ويفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب العُماني.

والأهم من ذلك أن نجاح الجبل الأخضر في استقطاب السياح من مختلف دول العالم لن يكون نجاحًا للمكان وحده، بل يمكن أن يكون واجهة ترفع اسم سلطنة عُمان على الخارطة السياحية العالمية، وتقدم للعالم نموذجًا عُمانيًا يجمع بين جمال الطبيعة وثراء التراث وحسن الضيافة والاستثمار السياحي المستدام.

وهنا يأتي دور الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة التراث والسياحة والشركة العُمانية للتنمية السياحية «عُمران»، في استثمار هذه الفرصة والتفكير فيما هو أبعد من عام 2027؛ فنجاح التجربة لا ينبغي أن يقاس بعدد الفعاليات التي ستقام، وإنما بما سيبقى بعدها من مشاريع وتجارب واستثمارات وفرص عمل، وما ستتركه من أثر مستدام على الجبل وأبنائه والاقتصاد الوطني.

وفي قلب هذه المعادلة يبقى الإنسان؛ فالمزارع، والأسرة المنتجة، والحرفي، والشاب العُماني، وأصحاب المشاريع الصغيرة، جميعهم شركاء في صناعة التجربة السياحية، وينبغي أن تصل إليهم ثمار هذا النمو.

فهل نريد أن يكون الجبل الأخضر عاصمة للسياحة الخليجية لعام واحد، أم نريد أن نجعل من عام 2027 نقطة انطلاق نحو مكانة أكبر؟ فالطموح لا ينبغي أن يتوقف عند عاصمة السياحة الخليجية، بل أن يكون الجبل الأخضر بوابتنا نحو السياحة العربية والعالمية، وأن تتحول هذه الفرصة إلى قصة نجاح مستدامة تضع الجبل الأخضر وسلطنة عُمان في مكانة بارزة على خارطة السياحة العالمية.

الأكثر قراءة

z