171 ألف فلسطيني.. والعرب يتفرجون!

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

منذ نكبة 1948 وحتى اليوم، تكشف الإحصاءات الفلسطينية الرسمية عن حصيلة بشرية مرعبة تراكمت على امتداد نحو 8 عقود؛ فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ النكبة 171 ألفًا، سقط عشرات الآلاف منهم خلال حرب غزة الأخيرة.

وإذا قسمنا هذا الرقم على نحو 28740 يومًا، هي ما يقارب عمر النكبة حتى اليوم، فإننا نصل إلى متوسط حسابي يقترب من ستة فلسطينيين عن كل يوم، طوال 78 عامًا.

وبالطبع، لا يعني ذلك أن ستة فلسطينيين قُتلوا في كل يوم بلا استثناء؛ فقد مرت أيام لم يسقط فيها قتلى، بينما شهدت الحروب والمجازر والانتفاضات أيامًا سقط فيها المئات، بل الآلاف. لكنه متوسط حسابي يلخص بصورة مفزعة الثمن البشري لمأساة لم تجد طريقها إلى النهاية.

صورة داخل النص.jpeg
 

والمأساة لم تنتهِ؛ فحتى 12 سبتمبر 2026، ارتفعت الحصيلة المعلنة في غزة وحدها منذ أكتوبر 2023 إلى 73783 قتيلًا و174738 مصابًا، بعدما استقبلت المستشفيات عشرة قتلى و56 مصابًا خلال 48 ساعة. وحتى وقف إطلاق النار لم يوقف النزيف؛ إذ بلغ عدد القتلى منذ دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، حوالي 1369 فلسطينيًا.

ثم جاء يوم 13 سبتمبر ليضيف أسماء جديدة إلى القائمة؛ إذ قُتل فلسطينيان في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة في حي تل الهوى بمدينة غزة.

ولم يعد وصف ما يجري في غزة مقتصرًا على الفلسطينيين أو خصوم إسرائيل. فقد أعلنت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان في يوليو 2025، بعد تحقيق موسع، أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، ووضعت ما يجري في سياق أوسع يمتد لأكثر من سبعين عامًا من السيطرة العنيفة والتمييز والهندسة الديموغرافية وتفتيت المجتمع الفلسطيني.

وأمام كل ذلك، ماذا يفعل العرب؟

ربما يكون الأدق القول إن الشعوب العربية لم تنسَ فلسطين، وإنما يزداد شعورها بالعجز أمام ما تشاهده كل يوم. فقد وجد مؤشر الرأي العربي لعام 2025 أن 80% من العرب يعتبرون القضية الفلسطينية قضية عربية جماعية وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وأن 87% يرفضون اعتراف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6% فقط يؤيدونه.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فبينما تشاهد الشعوب العربية يوميًا صور القتل والدمار في غزة والضفة، مضت حكومات عربية في التطبيع وإقامة العلاقات الدبلوماسية والتجارية والأمنية مع إسرائيل. وقيل عند توقيع اتفاقيات التطبيع إن العلاقات المباشرة قد تمنح العرب نفوذًا أكبر، وتفتح طريقًا مختلفًا نحو السلام.

لكن بعد سنوات، يحق للمواطن العربي أن يسأل: أين هو هذا النفوذ؟

هل أوقف الاستيطان؟ هل أنهى الاحتلال؟ هل منع تهجير الفلسطينيين؟ هل حال دون تدمير غزة؟ وهل استطاعت الدول العربية التي تمتلك سفارات وعلاقات مباشرة مع إسرائيل استخدام هذه العلاقات لمنع سقوط عشرات الآلاف من الضحايا؟

ليس المطلوب أن تدخل الدول العربية حربًا، ولا أن ترسل الجيوش إلى فلسطين. لكن من حق شعوبها أن تسأل: لماذا لا تتحول أوراق القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تمتلكها إلى ضغط حقيقي من أجل وقف القتل، وحماية المدنيين، وإنهاء الاحتلال، وفرض حل سياسي عادل؟

والأشد إيلامًا أن المواطن العربي العادي لا يملك شيئًا من تلك الأوراق. يجلس أمام شاشة هاتفه أو تلفازه، يرى طفلًا يُنتشل من تحت الركام، وأسرة تبحث عن أبنائها، وقرية في الضفة تواجه اعتداءات المستوطنين، ثم ينتقل عاجزًا إلى الخبر التالي.

إنه يتفرج، لا لأنه نسي فلسطين، بل لأنه لا يملك القدرة على الوصول إليها أو تغيير ما يحدث فيها.

أما الحكومات، وبالأخص تلك التي اختارت التطبيع، فتمتلك السفارات والعلاقات والمصالح والاتفاقيات وقنوات الاتصال. ولذلك فإن مسؤوليتها مختلفة، والأسئلة الموجهة إليها أصعب.

ولعل مهرجان فينيسيا السينمائي هذا العام قدم واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا؛ فقد انشغل العالم بالفيلم الوثائقي «NAZA» للمخرجيْن الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، وهو فيلم يستند إلى شهادات 24 ضابطَ استخباراتٍ وجنديًا ومبلغًا إسرائيليًا، ويتناول الأنظمة والأساليب المستخدمة في اختيار الأهداف في غزة واحتساب أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم في الغارات.

وبعد عرض الفيلم، وقف الجمهور مصفقًا لنحو 25 دقيقة متواصلة، في واحدة من أطول موجات التصفيق في تاريخ المهرجان.

لكن بينما كان العالم يصفق لفيلم يكشف آلة القتل، كانت آلة القتل نفسها لا تزال تعمل! فخلال الأيام العشرة التي كان فيها المهرجان منعقدًا، قال المخرج يوفال أبراهام إن إسرائيل قتلت 6 أطفال فلسطينيين على الأقل في غزة؛ بينهم طفلة في الثالثة وطفل في السابعة.

يا لها من مفارقة موجعة: مأساة غزة تنتقل إلى شاشة السينما، والجمهور يقف لها مصفقًا، بينما يستمر الموت في مكانه الحقيقي.

قد يكون «NAZA» قد كشف، بأصوات عسكريين وضباط استخبارات إسرائيليين أنفسهم، جانبًا من الآليات التي تقف خلف القتل الواسع للمدنيين، لكن السؤال الذي يبقى بعد انطفاء أضواء المهرجان هو: ماذا بعد التصفيق؟

ينتهي الفيلم، وتضاء قاعة السينما، ويغادر الجمهور مقاعده، بينما لا يستطيع أطفال غزة مغادرة واقعهم.

واللافت أن صورة إسرائيل عالميًا تدفع هي الأخرى ثمنًا باهظًا. ففي استطلاع Nira Data – Global Country Perceptions 2026، الذي شمل 46667 مشاركًا وقيّم صورة 129 دولة، جاءت إسرائيل في قاع الترتيب العالمي، ووُصفت في التغطيات المنشورة لنتائجه بأنها «الدولة الأكثر كراهية في العالم – Most Disliked Country».

ومع ذلك، لم يكن انهيار صورتها أمام الرأي العام العالمي كافيًا لوقف سقوط المزيد من الفلسطينيين.

وهكذا تكتمل المفارقة: كلما تكشفت للعالم تفاصيل أكثر عما جرى ويجري في غزة، ازدادت عزلة إسرائيل شعبيًا وأخلاقيًا، لكن ذلك لم يتحول حتى الآن إلى ضغط قادر على وقف آلة الحرب.

وبعد نحو ثمانية عقود، وبعد حصيلة تاريخية تجاوزت 171 ألف قتيل فلسطيني، وبعد أن وصلت منظمة حقوقية إسرائيلية مرموقة إلى وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، تبدو الهوة بين الضمير الشعبي العربي والسياسة الرسمية أوسع من أي وقت مضى.

قد يختلف العالم حول السياسة والحدود والتاريخ والمسؤوليات، لكنه لا يستطيع أن يمحو هذا العدد الهائل من البشر.

171 ألف فلسطيني لم يكونوا أرقامًا. كانوا آباءً وأمهاتٍ وأطفالًا وشبابًا؛ لكل واحد منهم اسم، وبيت، وحياة، وحلم.

وقد يصفق العالم لفيلم يكشف مأساتهم خمسًا وعشرين دقيقة، وقد يمنحه الجوائز، وقد تصدر التقارير والتحقيقات والقرارات الدولية تباعًا... لكن الطفل الفلسطيني لا يحتاج إلى تصفيق العالم بعد موته؛ يحتاج إلى أن يتحرك العالم قبل أن يُقتل.

ومع ذلك، يستمر سقوط الفلسطينيين، ويستمر الاستيطان، وتستمر المأساة... والعرب يتفرجون!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z