الإجراءات المتعثرة

 

علي بن بدر البوسعيدي

الجميع يتفق على ما تبذله مؤسسات الدولة من جهود لتطوير منظومة العمل الحكومي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، والانتقال تدريجيًا نحو الخدمات الإلكترونية والرقمية، وقد أسهمت هذه الجهود في إحداث تحول ملموس في العديد من الخدمات، وتقليل الحاجة إلى المراجعة الحضورية، ورفع كفاءة التعامل مع المستفيدين. غير أن التطوير المؤسسي لا يقاس فقط بعدد الخدمات التي تحولت إلى منصات رقمية، وإنما بمدى سهولة الوصول إليها، وسرعة إنجازها، ووضوح متطلباتها، وقدرة المؤسسة على الاستجابة لتوقعات المواطن.

وتظل البيروقراطية، في بعض جوانب العمل الحكومي، تحديًا يحتاج إلى معالجة أكثر عمقًا، خصوصًا عندما تتحول الإجراءات من أدوات لتنظيم العمل وحماية الحقوق إلى حلقات متتابعة تؤدي إلى تأخير المعاملات وإرباك المراجعين؛ فالمواطن لا يعنيه كثيرًا عدد النماذج التي جرى اختصارها أو الأنظمة التي جرى تدشينها بقدر ما يعنيه أن يحصل على الخدمة المطلوبة بسهولة ووضوح وفي الوقت المناسب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية واضحة ومتكاملة تتجاوز مجرد تحسين الإجراءات إلى إعادة تعريف مفهوم الخدمة الحكومية ذاته، بحيث تنطلق من احتياجات المواطن وتطلعاته، وتضع تجربته في مقدمة أولويات المؤسسات؛ فالغاية النهائية من أي تطوير إداري ليست تحسين النظام من وجهة نظر الجهة المقدمة للخدمة فقط، وإنما بناء منظومة يشعر المواطن من خلالها بأن وقته مصان، وطلبه مفهوم، وحقوقه واضحة، ومعاملته تسير في مسار محدد لا يحتمل الاجتهادات المتباينة.

وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أهمية العنصر البشري داخل المؤسسات؛ إذ إن أفضل الأنظمة والإجراءات يمكن أن تفقد فعاليتها إذا لم يلتزم بعض الموظفين بأداء مهامهم على النحو المأمول، أو إذا تسللت إلى بيئة العمل بعض الممارسات الإدارية غير الجيدة، كالتأخير غير المبرر، أو ضعف المتابعة، أو غياب الوضوح في المسؤوليات، أو إحالة المراجع من موظف إلى آخر دون نتيجة حاسمة. وهذه الممارسات، وإن لم تكن قاعدة عامة، تترك أثرًا مباشرًا على كفاءة المؤسسة وصورتها لدى الجمهور.

وتكشف الشكاوى والملاحظات المتداولة حول بعض الخدمات والمعاملات عن حاجة مستمرة إلى الإصغاء للمواطن، وتحليل أسباب التعثر، ومحاسبة مواطن الخلل، بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج؛ فالإدارة الحديثة لا تكتفي باستقبال الشكوى، وإنما تنظر إليها باعتبارها مؤشرًا يساعد على اكتشاف الثغرات وتصحيح المسار.

إنَّ تطوير العمل الحكومي في عُمان يتطلب استمرار الإصلاح الإداري والرقمي بالتوازي مع ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على سرعة الإنجاز، والمساءلة، والوضوح، وحسن التعامل. وعندما تتكامل الأنظمة الحديثة مع موظف كفء، وإجراء واضح، ورقابة فعالة، ورؤية تستجيب فعلًا لتطلعات المواطن، تصبح الخدمة الحكومية أكثر من مجرد معاملة تُنجز؛ حيث تصبح انعكاسًا حقيقيًا لجودة الإدارة وكفاءة الدولة.

الأكثر قراءة

z