مجلس النزاري وسبلة اليحمدي.. حين يتحول الاجتماع إلى إرث
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
ليست عُمان جبالًا وبحارًا وقلاعًا وأفلاجًا ونخيلًا فحسب؛ فثمة عُمان أخرى تسكن في تفاصيل الإنسان، وتظهر في طريقة استقبال الضيف، وأدب الجلوس، وفنجان القهوة، واحترام الكبير، وفسح المكان للصغير، وإكرام العالم، والتواضع في حضرة الناس.
تلك هي عُمان التي لا ترسمها الخرائط ولا تختصرها الصور، بل تحفظها المجالس والسبلات، وتتناقلها الأجيال بالممارسة والقدوة.
وفي بلدة اليحمدي بولاية إبراء، يبرز مجلس النزاري، مجلس العقيد الشيخ صالح بن سعيد المسكري، بوصفه نموذجًا حيًا لهذه الهوية العُمانية. فهو لا يفتح أبوابه للضيوف فحسب، بل يفتح نافذة على ذاكرة المكان، ويمنح القيم العُمانية فرصةً جديدة لتظل حاضرة في حياة الأبناء.
ويمثل المجلس امتدادًا أصيلًا لسبلة اليحمدي الكبرى، التي عُرفت منذ القدم فضاءً للاجتماع والتشاور والتواصل، ومكانًا تلتقي فيه القلوب والعقول، وتُصان فيه مكانة الكبير، ويُسمع فيه رأي الجميع، في إطار الشورى والتكافل بين أهالي القرى.
ومن هذا الإرث يستمد مجلس النزاري حضوره؛ فهو متصل بتقاليد السبلة، ومفتوح على الحاضر، ويحفظ الماضي بوصفه قيمةً حية تتجدد في السلوك وتنتقل من الآباء إلى الأبناء. فالمجلس العُماني ليس جدرانًا وسقوفًا يجتمع تحتها الناس فحسب، بل مؤسسة اجتماعية تحفظ الأخلاق والعادات والتقاليد، وتحول الاجتماع إلى تربية، والضيافة إلى مروءة، والهوية إلى ممارسة يومية.
المجلس مدرسة للأخلاق
المجلس العُماني الأصيل مدرسة مفتوحة الأبواب؛ فيه يتعلم الطفل كيف يستقبل الضيف، ويقدم القهوة، ويكرم الكبير، وينصت إلى أهل العلم، ويفسح المكان لأخيه. كما يرى أباه وأعمامه وهم يخدمون الضيف، فيدرك أن خدمة الناس من كمال المروءة، وأن التواضع لا ينتقص من قدر الإنسان، بل يزيده رفعة.
وهكذا تتشكل العادة، ثم تصبح خلقًا، ثم تتحول إلى هوية تنتقل من الآباء إلى الأبناء. فالأجيال لا تتعلم الأخلاق كلها من الكتب؛ إذ يتعلم بعضها من المشهد الذي تراه كل يوم. فالطفل الذي يرى أباه يكرم الضيف يحفظ الكرم قبل أن يعرف تعريفه، والذي يرى كبيره يتواضع يتعلم التواضع قبل أن يسمع خطبة عنه، والذي يرى الناس يتفسحون لبعضهم يفهم معنى الأخوة من غير درس.
وفي المجلس يتقدم الكبير في موضعه، ويُكرم صاحب العلم، وتختفي المسافات التي تصنعها الألقاب والمناصب. فالمجلس الحقيقي لا يجعل الناس طبقات متباعدة، وإنما يجمعهم على آداب مشتركة. وهكذا يتحول الخلق من فكرة إلى صورة، ومن صورة إلى عادة، ومن عادة إلى شخصية.
مجلس النزاري في ربيع الأول
ويزداد مجلس النزاري حضورًا في ربيع الأول، حين اعتاد العقيد الشيخ صالح بن سعيد المسكري أن يجمع، في يوم جمعة من هذا الشهر، أهل العلم والشعر والفكر، احتفاءً بذكرى مولد سيدنا وحبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بغريب لهذا الرجل الذي تربى في بيت الشيخ الجليل والمربي فضيلة القاضي جابر بن علي المسكري حين كان يتنقل بين ولايات جعلان وصور وسمائل ومسقط وبدبد بعد أن كان صقل الغرس نزوى.
ومن بعد صلاة الجمعة إلى صلاة العصر، يجتمع أهل الكلمة، ويقدم الشعراء قصائدهم في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتلتقي في المناسبة دوائر الفكر والأدب والإيمان والأخلاق. ولا يتوقف أثر هذا اللقاء عند ساعات انعقاده، إذ تعود معانيه إلى البيوت وتبقى حاضرة في سلوك الناس وعلاقاتهم.
وتُدعى نخبة الفكر وأهل العلم إلى ارتداء اللباس العُماني الأصيل والتزين بالخنجر العُمانية، فيجتمع العلم بالشعر، والهوية بالمعنى، والمجلس بذاكرة الوطن. ثم يلتقي الجميع في جامع الكفي ببلدة اليحمدي، فيكتمل المشهد في بيت من بيوت الله، ويغدو اللباس أكثر من مظهر؛ إذ يصبح علامةً على هوية حية تمارسها الأجيال.
وبعد الصلاة، يتوجه الضيوف إلى مجلس النزاري، حيث يستقبلهم أبناء العقيد الشيخ صالح بن سعيد المسكري. يتوزعون بين الاستقبال وتنظيم الجلوس وتقديم القهوة ومتابعة أحوال الضيوف، في صورة تعكس أن خدمة الضيف مسؤولية جماعية، وأن الكرامة تُصنع بتعاون الجميع.
ثم تأتي مائدة الغداء بوصفها مساحة أخرى للاجتماع والتعارف وتفقد الأحوال، تليها القهوة العُمانية والحلوى، فتستمر الأحاديث وتتجدد صلات المودة. فالمجلس لا يكتمل بجدرانه، وإنما بالوجوه التي تحضر إليه، والقلوب التي تجتمع فيه، والكلمات الطيبة التي تتردد بين جنباته.
ذاكرة عُمان وأثرها
إن ما يقوم به العقيد الشيخ صالح بن سعيد المسكري ليس مجرد دعوة سنوية إلى وليمة أو لقاء للشعراء، بل هو إحياء لنموذج من نماذج الحياة العُمانية الأصيلة. فالمجلس يحتفي بالشعر، ويكرم العلم، ويجمع أهل الفكر، ويستحضر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحافظ على اللباس والهوية، ويعلّم الأبناء خدمة الضيف، ويجعل الكبار قدوة للصغار، ويحفظ امتداد السبلة العُمانية بما تمثله من اجتماع وشورى وتواصل بين أهالي القرية.
وهنا تظهر جواهر الأخلاق العُمانية؛ فهي لا تُستخرج من الأرض، وإنما تُستخرج من الإنسان. وقد تبحث الأمم عن حضارتها في المباني والكتب والمتاحف، بينما تحفظ عُمان جانبًا عظيمًا من حضارتها في السلوك: في المجلس والسبلة والقرية والبيت، وفي علاقة الجار بجاره، وطريقة استقبال الغريب، واحترام الكبير، ورحمة الصغير، وأمانة الماء، وأدب الطريق، والكلمة الطيبة، والقهوة التي تُقدَّم قبل أن يُسأل الضيف عن حاجته.
وليست المحافظة على المجلس العُماني الأصيل والسبلة التي نشأت منها هذه المجالس حنينًا إلى الماضي فقط، بل هي استثمار في المستقبل. فحفظ المجلس يعني حفظ مساحة يتعلم فيها الأبناء قيم مجتمعهم، وحفظ السبلة يعني صون معنى الاجتماع والشورى والتكافل، وحفظ القدوة يعني استمرار الأخلاق وبقاء الوطن حيًا في أبنائه.
ومن حق العقيد الشيخ صالح بن سعيد المسكري أن يُشكر على هذا الوفاء؛ لأن مجلسه يفتح بابًا من أبواب الذاكرة العُمانية، ويضيء امتدادًا من امتدادات سبلة اليحمدي الكبرى. كما يستحق أبناؤه وأهل اليحمدي والشعراء والعلماء وأهل الفكر التقدير، لما يقدمونه من صورة عملية تتوارث فيها الأجيال قيم الضيافة والاحترام والتواصل.
وختامًا.. يمثل مجلس النزاري نموذجًا حيًا لدور المجالس والسبلات في حفظ الهوية العُمانية؛ فهو يجمع بين العلم والشعر والضيافة، ويربط الماضي بالحاضر، ويحوّل القيم إلى ممارسة يراها الأبناء ويتعلمون منها. وحين تتجدد هذه المجالس في كل عام، تبقى الأخلاق حاضرة، وتظل الذاكرة متصلة، ويستمر أثر عُمان في أبنائها.
وهكذا، بهدوء المجالس العُمانية، وبامتدادها من سبلة اليحمدي الكبرى، تستمر عُمان.
