حين تتكلم التجربة بدل الترويج (2-2)

 

 

 

كيف نعرف أن السوق أصبحت جاذبة بذاتها؟

 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

استكمالًا لما تحدثنا عنه في المقالات السابقة، فإن المنطق نفسه الذي تقوم عليه القطاعات المرساة يفيد بأنه لا تكمن قيمة المشروع في حجمه وحده، بل في ما يجعل وجوده ممكنًا حوله، فإذا ساعد نجاحه على دخول مورد جديد، ورفع مهارات العاملين، ووسع الطلب على الخدمات، وقلل مخاطر المستثمر التالي، فقد بدأ الاقتصاد يبني قدرة تتراكم بدل أن يبدأ من الصفر مع كل مشروع.

لكن الأثر يعمل في الاتجاهين. فالتجربة المتعثرة لا تضر بصاحبها وحده؛ إذ قد ترفع درجة الحذر لدى من يفكر في الدخول بعده. وإذا تكررت الفجوة بين الوعود والتطبيق، أصبحت الدولة مطالبة ببذل جهد أكبر وتقديم حافز أعلى كي تعوض ما فقدته السوق من ثقة.

والتجربة الجيدة تخفض كلفة جذب الاستثمار التالي، أما التجربة السيئة فترفعها. وبذلك تصبح سمعة السوق رأسمالًا اقتصاديًا حقيقيًا: تُبنى ببطء من تراكم الوقائع، وقد تُستهلك سريعًا عندما تتكرر المفاجآت أو تختلف المعاملة أو تضيع المسؤولية بين الجهات.

وإذا كانت التجربة الفعلية هي التي تحدد جاذبية السوق، فإن من يعيشون هذه التجربة يحملون معرفة لا يمكن الاستغناء عنها عند تصميم السياسات الاقتصادية.

ولهذا لا ينبغي أن تقتصر علاقة الحكومة بغرف التجارة والجمعيات المهنية وممثلي القطاعات على شرح القرارات بعد صدورها، أو دعوتهم إلى جلسات عامة لا يتضح أثرها في الصياغة النهائية. فالمشاركة الحقيقية تبدأ قبل اكتمال القرار، عندما تكون البدائل ما زالت مفتوحة ويمكن للمعرفة القادمة من السوق أن تغير اتجاهه.

ولا يعني ذلك أن يتولى القطاع الخاص صياغة القواعد التي تنظم عمله، أو أن تتقدم مصالحه الخاصة على حقوق العمال والمستهلكين والمنافسة والمال العام. فالقطاع الخاص قد ينظر إلى القرار من زاوية تكلفته المباشرة، بينما يقع على الحكومة أن توازن بين مصالح متعددة وأن تحمي المصلحة العامة.

لكن حماية هذه المصلحة لا تتطلب تجاهل معرفة السوق، بل حسن استخدامها. فالمؤسسات التي تمارس النشاط تعرف أين يتعطل، وأي اشتراط يحقق غايته، وأي إجراء يضيف وقتًا من دون قيمة، وأين تختلف القاعدة المكتوبة عن إمكان تطبيقها.

والسؤال الأهم ليس فقط: ما رأي القطاع الخاص في النظام المقترح؟ بل: ما الذي سيحدث في السوق إذا طُبق بهذه الصورة؟ ومن سيتحمل كلفته؟ وهل سيغير سلوك الشركات في الاتجاه المطلوب، أم سيدفعها إلى الانكماش أو التحايل أو الخروج؟

عندما تُطرح هذه الأسئلة قبل اتخاذ القرار، يتحول الحوار من مجاملة مؤسسية إلى مصدر معرفة، وينتقل القطاع الخاص من متلقٍ للسياسة إلى شريك في تحسين قابليتها للنجاح، مع بقاء القرار العام ومسؤوليته بيد الدولة.

في المقابل، قد تبدو كثرة الدراسات والاستراتيجيات والمبادرات دليلًا على الحركة والاهتمام، لكنها لا تدل وحدها على التقدم؛ فالتمييز المهم ليس بين دولة تدرس ودولة لا تدرس، بل بين دولة تتراكم معرفتها ودولة تعيد اكتشاف المشكلة نفسها كل بضع سنوات.

تحتاج الأسواق إلى مراجعة مستمرة لأن الظروف تتغير، وما كان مناسبًا بالأمس قد لا يبقى مناسبًا غدًا. لكن المراجعة الحقيقية تبدأ من حيث انتهت المعرفة السابقة: ماذا جُرّب؟ وما الذي نجح؟ وأين تعثر التنفيذ؟ وما الافتراض الذي ثبت خطؤه؟ وكيف تغير القرار نتيجة لذلك؟

أما حين تعود المشكلة ذاتها باللغة ذاتها، وتُطلق لها مبادرة جديدة باسم مختلف من دون تفسير لما حدث للمبادرة السابقة، فإن النشاط المؤسسي لا يتحول إلى تعلم. وقد تتراكم الوثائق، بينما تبدأ التجربة من نقطة الصفر مرة أخرى.

ويظهر أثر التعلم أيضًا في وضوح القواعد واستقرار تطبيقها. فليس المطلوب أن تبقى الأنظمة جامدة، وإنما أن تكون التغييرات مفهومة، ومبررة، ومتوقعة بقدر معقول، وأن يعرف المتعامل ما هو مطلوب منه ومن يملك تفسيره وحسمه.

ومن المؤشرات الدالة هنا طبيعة المنازعات والشكاوى. فوجود المخالفة لا يعني بالضرورة ضعف السوق؛ إذ لا تخلو منها بيئة اقتصادية. لكن كثرة النزاعات الناتجة عن غموض القاعدة، أو اختلاف تفسيرها بين جهة وأخرى، أو تغير تطبيقها من حالة إلى أخرى، تكشف أن جزءًا من طاقة السوق يُستهلك في اكتشاف النظام بدل ممارسة النشاط.

والسوق الجاذبة ليست السوق التي تخلو من القواعد، بل التي يستطيع المستثمر أن يبني قراره على قواعد يفهمها، وأن يتوقع كيف ستُطبق عليه وعلى منافسيه.

وتؤدي الحوافز دورًا مشروعًا في السياسة الاقتصادية. فقد تعوض المستثمر عن مخاطر البداية، أو تساعد قطاعًا جديدًا على بلوغ الحجم الذي يحتاج إليه، أو تكسر فجوة التنسيق حين ينتظر كل طرف دخول الآخرين. وقد تكون الحوافز هي المحفّز الذي يطلق الحركة.

لكن المحفّز لا يثبت نجاحه لمجرد أنه جذب المشروع الأول. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان قد ساعد على تكوين نشاط يستطيع الاستمرار بعد أن تتراجع الحاجة إليه.

ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نستطيع جذب الاستثمار إذا قدمنا حافزًا كافيًا؟ فكل فرصة تقريبًا قد تصبح جذابة إذا تحملت الدولة جانبًا كبيرًا من تكلفتها أو مخاطرها.

والسؤال الأعمق هو: ماذا يبقى عندما ينحسر الحافز؟ هل يبقى طلب قادر على دعم النشاط؟ وهل يجد المشروع مهارات وموردين وخدمات محلية؟ وهل يتوسع المستثمر من موارده؟ وهل يأتي مستثمر جديد لأن من سبقه نجح، لا لأن الدولة قدمت له حزمة أكبر؟ وهل يصبح القطاع مع الوقت أقل اعتمادًا على المعاملة الاستثنائية وأكثر قدرة على المنافسة وفق اقتصاده الحقيقي؟

ولا يعني ذلك سحب الحوافز فجأة أو افتراض أن جميع القطاعات يجب أن تعمل بالشروط نفسها؛ فبعض الأنشطة يحتاج إلى دعم أطول، وبعض الحوافز قد يكون جزءًا دائمًا من المنافسة الدولية. لكن الاتجاه هو المهم: هل تقل الفجوة بين ما يحتاج إليه النشاط كي يبدأ وما يحتاج إليه كي يستمر، أم يصبح بقاؤه مرهونًا بدفعة جديدة كلما انتهت السابقة؟

الحافز الناجح لا يجذب النشاط فقط؛ بل يساعده على بناء الأسباب التي تخفف حاجته إلى الحافز نفسه.

في نهاية هذه السلسلة.. لا يبدو السؤال الحاسم متعلقًا بحجم الإنفاق، أو عدد المشروعات، أو سهولة الإجراءات، أو قوة الترويج، إذا نُظر إلى كل منها منفردًا. فهذه كلها أدوات، ولا تظهر قيمتها إلا في الحركة الاقتصادية التي تستطيع إنتاجها.

قد تنفق الدولة، لكن الريال لا يعمل مرات كافية داخل الاقتصاد. وقد تحسن الإجراءات، لكنها تزيل أسباب الرفض من دون أن تصنع أسباب الاختيار. وقد تعلن قطاعات واعدة، لكنها توزع الجهد بينها فلا تتكون مرساة تحرك ما حولها. وقد تبني أصلًا جميلًا، لكنه يبقى أقل نشاطًا من إمكاناته. وقد تتخذ قرارًا صحيحًا، لكنه يتعثر بين الجهات قبل أن يصل أثره إلى السوق.

أما حين تجتمع هذه العناصر في منظومة واحدة، فتظهر النتيجة خارج التقارير: مستثمر قائم يتوسع، وأرباح يعاد توظيفها، وموردون جدد يدخلون، وخبرات تتراكم، وقواعد تصبح أكثر وضوحًا، وتجربة ناجحة تخفض مخاطر التجربة التالية.

عندها لا تختفي حاجة الدولة إلى السياسة أو الترويج أو الحوافز، لكن وظيفتها تتغير. فبدل أن تبدأ صناعة كل فرصة من جديد، تصبح مهمتها رعاية سوق اكتسبت القدرة على توسيع الفرص من داخلها؛ وبدل أن يكون كل مشروع نتيجة جهد منفرد لاستقطابه، يصبح نجاح المشروعات السابقة أحد أسباب مجيئه.

وهنا يظهر الفارق بين سوق استطاعت جذب استثمار، وسوق أصبحت جاذبة للاستثمار.

الأولى تقاس بما دخل إليها، أما الثانية فتقاس بما بقي ونما وتكاثر بعد الدخول. والأولى تحتاج إلى أن تكرر وعدها مع كل مستثمر جديد، أما الثانية فتملك تجربة تسبقها وتتحدث باسمها؛ فالترويج قد يجلب الزائر الأول، والحافز قد يستقطب المستثمر الأول، لكن التجربة وحدها هي التي تقرر إن كان سيبقى، ويتوسع، ويعود، ويقنع غيره بالمجيء. ولا تثبت جاذبية السوق بالصفقة الأولى، بل بالصفقة التالية التي أصبحت أسهل لأن الأُولى نجحت.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z