◄ كيف نعرف أنَّ السوق أصبحت جاذبة بذاتها؟
علي بن محمد بن جمعة اللواتي
بدأتُ هذه السلسلة بسؤال عن القيمة التي يتركها الإنفاق داخل الاقتصاد: كم مرة يعمل الريال قبل أن يُغادر دورته المحلية؟ ثم انتقلت إلى سؤال الاستثمار: لماذا لا يأتي رغم توافر البنية الأساسية وسهولة الإجراءات؟ ومنه إلى القطاعات المرساة التي يستطيع نموها أن يحرك أنشطة أخرى، ثم إلى الفجوة بين امتلاك الأصول وتشغيلها، وأخيرًا إلى القدرة الحكومية التي تحول القرار الصحيح إلى نتيجة في السوق.
وتلتقي هذه الأسئلة جميعًا عند اختبار أخير: كيف نعرف أنَّ السياسات والحوافز والمشروعات والجهود المؤسسية كوّنت سوقًا جاذبة بالفعل، لا سوقًا تحتاج في كل مرة إلى دفعة جديدة كي تتحرك؟
لا تكفي للإجابة قيمة الاستثمارات المعلنة، ولا عدد الاتفاقيات الموقعة، ولا كثافة الحملات الترويجية. فهذه قد تثبت قدرة الدولة على استقطاب مشروع أو إتمام صفقة، لكنها لا تثبت أن السوق اكتسبت القدرة على جذب النشاط وتوسيعه من داخلها.
السوق لا تصبح جاذبة بذاتها عندما يأتي إليها المستثمر الأول، بل عندما تجعل تجربته مجيء المستثمر التالي أسهل، وتدفعه هو نفسه إلى البقاء والتوسع وإعادة الاستثمار.
هنا تنتقل الجاذبية من وعد تقوله الدولة إلى خبرة يرويها السوق.
العرض الذي لا تصنعه الشرائح
عندما يدرس مستثمر سوقًا جديدة، لا يكتفي عادة بما يسمعه في العروض الرسمية. فالأرقام تخبره بحجم الفرصة، والقوانين توضح له الحدود، والحوافز تحسن حساباته، لكن أسئلته الأكثر حساسية تبقى مُعلقة: هل تُطبق القواعد كما كُتبت؟ هل يمكن توقع القرار؟ ماذا يحدث عندما تتعطل مُعاملة؟ وهل تقف الجهات عند حدود اختصاصاتها أم تساعد على الوصول إلى النتيجة؟
ولهذا يبحث المستثمر، قبل اتخاذ قراره، عمّن سبقه إلى السوق. يتحدَّث إلى شركة تعمل فيها، وممول تعامل معها، ومستشار جرّب مؤسساتها، وربما إلى مستثمر غادرها. ففي هذه الأحاديث تتكون صورة لا تستطيع أفضل العروض الترويجية أن تصنعها وحدها.
قد تنجح الحملة في فتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تتحكم فيما سيقوله من دخل قبلك.
فإذا وجد المستثمر أن من سبقه توسع، وأن مشكلاته عُولجت، وأن القواعد لم تتبدل عليه على نحو مُباغت، أصبحت التجربة القائمة جزءًا من قرار الاستثمار الجديد. أما إذا سمع أن الواقع يختلف عن العرض، فلن تعالج المشكلةَ زيادةُ عدد المؤتمرات أو تحسينُ المادة الإعلامية؛ لأن الترويج يستطيع أن يرفع التوقعات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة.
ولا يعني ذلك أن تتوقف الدول عن الترويج لنفسها؛ فالأسواق الناجحة أيضًا تقدم فرصها وتنافس على جذب رأس المال. لكن الفرق أن الترويج في السوق الناضجة يكشف حقيقة موجودة، بينما يحاول في السوق الضعيفة تعويض حقيقة ناقصة.
وحين تصدق التجربة ما يقوله الترويج، يصبح المستثمر القائم أكثر إقناعًا من العرض الذي استقطبه أول مرة.
الدخول قرار.. أمَّا التوسع فشهادة
قد يدخل المستثمر سوقًا بسبب إعفاء ضريبي، أو أرض ميسرة، أو عقد حكومي، أو حماية مُؤقتة من بعض المخاطر. ولذلك لا يكشف قرار الدخول، بمفرده، مقدار ثقته بالسوق؛ فقد يكون استجابة عقلانية لحافز يصعب رفضه.
أما قرار التوسع فيحمل معنى أعمق؛ فالمستثمر عند دخوله الأول يختبر وعدًا، لكنه عندما يضيف خط إنتاج، أو يفتتح فرعًا جديدًا، أو يزيد طاقته، يكون قد اختبر السوق فعلًا ثم اختار أن يضاعف التزامه بها.
وينطبق ذلك بصورة أوضح على إعادة استثمار الأرباح؛ فالشركة التي تحقق أرباحًا تستطيع تحويلها إلى الخارج، أو توزيعها على مساهميها، أو توجيهها إلى سوق أخرى. وحين تختار إبقاء جزء منها وتوظيفه محليًا، فإنها لا تعيد استثمار المال وحده؛ بل تعلن، بقرار عملي، أن الفرصة المقبلة ما زالت موجودة وأنها تثق بقدرتها على اقتناصها.
ولا يقل المستثمر المحلي أهمية في هذا الاختبار؛ فهو أقدر من غيره على معرفة تفاصيل السوق، وأقل انبهارًا بالحملات التي تصفها؛ فإذا كان أصحاب الأعمال المحليون يؤجلون التوسع ويحتفظون بسيولتهم أو ينقلونها إلى أصول خاملة، بينما تنشغل الدولة بإقناع مستثمرين جدد بالقدوم، فهناك فجوة ينبغي فهمها. أما حين يبدأ المستثمر المحلي بتوسيع نشاطه وتأسيس مشروعات مكملة، فإنه يقدم إشارة مبكرة إلى أن السوق أصبحت قادرة على مكافأة المبادرة.
لذلك لا ينبغي أن نقيس الجاذبية بعدد الداخلين فقط، بل بما يفعلونه بعد الدخول: كم منهم بقي؟ وكم منهم توسع؟ وكم أعاد استثمار أرباحه؟ وكم جذب معه موردًا أو شريكًا أو نشاطًا جديدًا؟
الاستثمار الأول قد يكون استجابة لحافز، أما الاستثمار الثاني من المستثمر نفسه فهو شهادة على التجربة.
حين يصبح النجاح أصلًا تراكميًا
لا تقتصر قيمة التجربة الناجحة على المشروع الذي عاشها. فكل مستثمر ينجح يضيف إلى السوق معلومة لم تكن موجودة من قبل: أن النشاط ممكن، وأن الطلب حقيقي، وأن سلاسل الإمداد قابلة للبناء، وأن العقبات يمكن تجاوزها.
وهذه المعلومة تخفض جزءًا من عدم اليقين أمام المستثمر التالي. فقد لا يعود مضطرًا إلى اختبار جميع الافتراضات من البداية؛ لأن مشروعًا سابقًا أثبت بعضها. كما يجد موردين تكونوا حوله، وموظفين اكتسبوا خبرة، وممولين أصبحوا أكثر فهمًا للقطاع، وجهات حكومية تعلمت من التعامل معه.
هنا تتحول التجربة من نجاح خاص إلى أصل عام تستفيد منه السوق.
يُتبع...
