بقلم: د. جمالات عبدالرحيم
في قلب المحيط الهادئ، وعلى بُعد 180 كيلومترًا فقط من السواحل الصينية، تقع جزيرة لا تتجاوز مساحتها مساحة محافظة مصرية. لكن هذه الجزيرة الصغيرة، تايوان، أصبحت اليوم مفتاح الصراع العالمي، وبوابة آسيا، وحجر الزاوية في «السور الأمريكي العظيم» الذي أقامته واشنطن حول بكين.
أولًا: جذور القضية... حرب أهلية لم تنتهِ
بدأت القصة عام 1949. فبعد انتصار الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية، هرب الحزب القومي الخاسر إلى جزيرة تايوان، وأعلن قيام «جمهورية الصين». وفي الوقت نفسه، أعلن ماو قيام «جمهورية الصين الشعبية».
ومنذ ذلك اليوم، تعتبر الصين تايوان «مقاطعة متمردة» يجب أن تعود إلى الوطن، بالقوة إذا لزم الأمر. أما تايوان فتحولت إلى كيان ديمقراطي مستقل بحكم الأمر الواقع، له برلمانه وجيشه.
وتسمي بكين موقفها «مبدأ الصين الواحدة»، بينما ترد تايبيه بكونها «واقعًا قائمًا».
ثانيًا: لماذا تجري أمريكا وراء تايوان؟
الإجابة في ثلاث كلمات: المحيط، والشرائح، وآسيا.
1. حرب المحيط الهادئ
تايوان تقع ضمن «سلسلة الجزر الأولى». وهذه السلسلة تمثل، من منظور استراتيجي، حاجزًا أمام حركة البحرية الصينية في اتجاه المحيط الهادئ.
ولو سقطت تايوان، فستتمكن الغواصات والسفن الصينية من الوصول إلى المحيط بصورة أسهل، وهو ما قد يضع القواعد الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين أمام تحديات استراتيجية أكبر.
ومن يخسر آسيا يخسر العالم كله؛ لأن آسيا تضم نحو 60% من سكان العالم وتمثل نحو نصف الاقتصاد العالمي.
2. حرب الشرائح
على أرض تايوان توجد شركة TSMC، إحدى أكبر شركات تصنيع أشباه الموصلات في العالم، وتلعب دورًا محوريًا في إنتاج الشرائح المتقدمة.
وهذه الشرائح أصبحت عقل كل شيء تقريبًا: من الهواتف الذكية إلى الطائرات المقاتلة والذكاء الاصطناعي.
ومن يسيطر على صناعة أشباه الموصلات المتقدمة يمتلك ورقة شديدة الأهمية في تحديد مستقبل التكنولوجيا خلال القرن الحادي والعشرين.
3. حرب النفوذ
تستفيد أمريكا من بقاء الصراع «مجمّدًا»: لا حرب شاملة، ولا سلام كامل.
فالصراع المستمر يبقي الصين مشغولة، ويمنح واشنطن وحلفاءها مساحة أكبر للتحرك في المجالين التكنولوجي والاستراتيجي.
ثالثًا: السور الأمريكي العظيم حول الصين
أمريكا لم تحتل الصين، لكنها بنت حولها، من منظور استراتيجي، منظومة من ثلاثة أحزمة:
الطبقة الأولى: السور الأول
اليابان، ونحو 55 ألف جندي أمريكي، وكوريا الجنوبية، ونحو 28 ألف جندي، إلى جانب تايوان باعتبارها «الباب»، والفلبين وقواعدها العسكرية.
وظيفته: مراقبة حركة البحرية الصينية ومنعها من الوصول بسهولة إلى المحيط الهادئ.
الطبقة الثانية: السور الثاني
جزيرة غوام، وأستراليا، وجزر ماريانا.
وظيفته: تشكيل خط دفاع واحتواء احتياطي في حال تمكنت الصين من اختراق الطبقة الأولى.
الطبقة الثالثة: سور المضايق والموانئ
وهو السيناريو نفسه الذي طبقته أمريكا، بحسب هذا الطرح، في مواجهة إيران في مضيق هرمز:
الغرب: القرن الأفريقي، وجيبوتي والبحرين، في محاولة لتضييق الخناق على «طريق الحرير البحري» الصيني.
الجنوب: الخليج، وقطر والإمارات والسعودية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز، شريان إمدادات النفط.
الجنوب الغربي: مصر، حيث تمثل قناة السويس أسرع الطرق البحرية التي تربط الصين بأوروبا، في ظل نفوذ أمريكي واسع في المنطقة.
الشمال: تحالفات وضغوط في مواجهة إيران وروسيا بهدف الحد من بدائل الطرق البرية.
والنتيجة، وفق هذا الطرح، أن نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة والتجارة الصينية تمر عبر ممرات بحرية ومناطق تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها مراقبتها والتأثير فيها.
رابعًا: كيف ترد الصين؟ «حفر الأنفاق تحت السور»
ترد الصين بمبادرة «الحزام والطريق»، وتسعى إلى بناء طرق بديلة تقلل اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
نفق باكستان: ميناء جوادر، لتوفير منفذ بديل وتقليل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية.
نفق مصر: المنطقة الاقتصادية في العين السخنة، باعتبارها جزءًا من الاستثمارات الصينية المرتبطة بالتجارة الدولية.
نفق روسيا: خطوط أنابيب الغاز والنفط البرية، لتقليل الاعتماد على النقل البحري.
نفق تايوان: وهي الحلقة الأهم؛ فإذا نجحت الصين في تحقيق هدفها بشأن تايوان، فإن ذلك سيغير موازين القوة في منطقة المحيط الهادئ بأكملها.
خامسًا: لماذا السفن الحربية الأمريكية؟
مرور السفن وحاملات الطائرات الأمريكية بالقرب من مضيق تايوان يحمل رسائل استراتيجية متعددة:
ردع الصين: رسالة مفادها أن أي هجوم على تايوان قد يؤدي إلى مواجهة أوسع.
طمأنة الحلفاء: فاليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وغيرها تراقب مستوى الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة.
تأكيد حرية الملاحة: إذ تعتبر الولايات المتحدة أن مرور سفنها في المنطقة جزء من عمليات حرية الملاحة في المياه الدولية.
سادسًا: الشرق الأوسط في قلب المعركة
تقف مصر في نقطة ارتكاز مهمة. فهي حليف للولايات المتحدة، وترتبط معها بعلاقات استراتيجية ومساعدات عسكرية، وفي الوقت نفسه شريك اقتصادي وتجاري مهم للصين، خصوصًا في إطار قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
أما الموقف المصري فيقوم على دعم «مبدأ الصين الواحدة»، إلى جانب الدعوة إلى ضبط النفس والحفاظ على الاستقرار، لأن أي حرب واسعة في تايوان يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ينظر إلى السياسة الدولية من زاوية المصالح والصفقات، فقد لخّص، وفق هذا الطرح، أهمية الممرات الاستراتيجية باعتبار أن من يملك السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، مثل هرمز وباب المندب وتايوان، يمتلك ورقة ضغط كبيرة على التجارة العالمية.
ومن هنا يأتي الحديث عن إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا.
الخاتمة: لعبة الكراسي الموسيقية
تايوان اليوم ليست مجرد جزيرة؛ إنها «مفتاح الشقة».
المحيط الهادئ = الصالة.
هرمز وباب المندب = المطبخ.
قناة السويس = باب الشقة.
أمريكا تقف عند باب «تايوان» بالسلاح، بينما تقف الصين في الخارج ومعها المال والمصانع والاستثمارات.
وفي هذه اللعبة، كل سفينة حربية، وكل شريحة إلكترونية، وكل ميناء جديد، يمثل ورقة ضغط في حرب باردة جديدة.
إن اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية، وتمسكها بمبدأ الصين الواحدة، يمكن أن يثير حساسيات لدى واشنطن في حال تزامن ذلك مع خلافات أو أزمات أخرى بين القاهرة والولايات المتحدة؛ إذ إن القوى الكبرى تستغل، في كثير من الأحيان، الخلافات القائمة بين الدول لتعزيز نفوذها ومصالحها.
فكيف تدّعي أمريكا السلام، بينما تنخرط في صراعات دولية وإقليمية، وتدفع دولًا ضعيفة إلى حروب وصراعات تؤدي إلى تعطيل المصانع، وتفاقم المجاعات والبطالة؟
وكيف تنادي الولايات المتحدة بالسلام في الشرق الأوسط، بينما يرى منتقدو سياساتها أن دعمها لإسرائيل أسهم في تعقيد الصراع العربي الإسرائيلي، وأصبح أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة، بما في ذلك التوتر مع إيران؟
وبالتالي، يرى هذا الطرح أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا طرفين أساسيين في التصعيد ضد إيران، وأن السيطرة على مضيق هرمز تمثل أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة بسبب موقعه في حركة تجارة الطاقة العالمية.
فمن يسيطر على أي مضيق استراتيجي يمتلك ورقة مهمة في حركة التجارة، ومن يمتلك مفاتيح التجارة العالمية يمتلك قدرًا كبيرًا من النفوذ على العالم.
وهكذا يتحول الصراع من مجرد تنافس على الأراضي والموانئ إلى صراع على طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا، ويصبح السؤال الأكبر: من يملك مفاتيح العالم؟ ومن يملك القدرة على التحكم في حركة الآخرين؟
وهل يرضى الله بما تفعله القوى الكبرى حول العالم، سواء أكانت الإهانات والاعتداءات موجهة إلى المسلمين أم إلى أتباع أي ملة أخرى؟
والسؤال الذي يحبس أنفاس العالم: من سيكسر السور أولًا؟
