◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص
عبيدلي العبيدلي **
9. ضعف الترجمة والتوطين والتسويق الدولي
كثير من المحتوى العربي الجيد يتوقف عند الحدود اللغوية، ووضع ترجمة إنجليزية أسفل الفيديو لا يكفي لبناء سوق عالمي؛ فالتصدير يحتاج إلى وكيل حقوق، ومادة تعريفية، وتوطين ثقافي، ودبلجة، ومراجعة جودة، وتسويق، وعلاقات مع المنصات والأسواق والمهرجانات، وإدارة حقوق موسيقية وبصرية.
ويظهر الفرق بين "الترجمة" و"التوطين" بوضوح في الألعاب والمحتوى التعليمي؛ فالمطلوب ليس نقل الكلمات فقط، بل تكييف النكات والأمثلة وواجهة الاستخدام، والدفع، والتصنيف، والعمر. لذلك يجب أن يكون تمويل التصدير بندًا مستقلًا في ميزانيات المحتوى، لا نفقة تأتي بعد اكتمال الإنتاج إذا تبقى مال.
10. هشاشة العمل الحر والفجوة الجِندرية
تُبنى أجزاء واسعة من صناعة المحتوى على العامل المستقل: مترجم، مصمم، كاتب، مصور، محرر صوت، فنان رسوم، أو مؤثر. لكن الإطار القانوني والاجتماعي في كثير من الدول لا يواكب هذا الشكل. وتوضح تجربة تونس، التي دعمتها اليونسكو، أن العاملين المستقلين في القطاعات الإبداعية يواجهون مشكلات الوضع القانوني وحقوق المؤلف والتأمين والعمل غير الرسمي؛ ولذلك استهدف مشروع هناك إنشاء تعاونية وسبع اتفاقات قطاعية ومرصد لسوق العمل الحر.
وتزداد الهشاشة بالنسبة إلى النساء؛ فإلى جانب الفجوة الرقمية الإقليمية، تشير اليونسكو إلى استمرار نقص تمثيل النساء في القيادة رغم حضورهن الكبير في قوة العمل الثقافية. لذلك فإن تمكين النساء في صناعة المحتوى لا يعني فقط دورات تدريب، بل الوصول إلى التمويل، والأمان الرقمي، والتعاقد، والملكية، والعمل المرن، ومساحات التوزيع.
11. الذكاء الاصطناعي قد يوسع الفجوة إذا لم نُنتج بياناتنا
أحد أكبر المخاطر الاستراتيجية هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي "طبقة وسيطة" بين المستخدم والمحتوى، فيأخذ المستخدم الإجابة من النموذج بدل زيارة المصدر. إذا كانت المادة العربية أقل حضورًا أو أقل تنظيمًا، فقد تصبح أقل ظهورًا في الإجابات وفي التدريب وفي الاقتصاد المعرفي الجديد. وقد نظمت اليونسكو في القاهرة عام 2025 حوارًا إقليميًا حول أثر الذكاء الاصطناعي في الثقافة والتراث والتعليم والصناعات الإبداعية، وهو اعتراف بأن القضية لم تعد مستقبلية.
والفرصة المقابِلة هي أن العربية يمكن أن تستفيد أكثر من غيرها من الترجمة الآلية والدبلجة، لأن التجزؤ اللهجي أحد أكبر تكاليفها. لكن ذلك يتطلب اختبارًا مستقلًا. فقد أظهرت أبحاث 2026 أن الفجوة بين الفصحى واللهجات لا تزال قائمة في الاستدلال الثقافي والترجمة والتوليد. لذا فإن "استخدام الذكاء الاصطناعي" ليس مؤشر نجاح بحد ذاته؛ المؤشر الصحيح هو تحسن الجودة والإنتاجية مع بقاء الدقة والحقوق والتمثيل الثقافي. وتقدم مجموعة بيانات Alexandria المنشورة في ACL 2026 مثالًا على الاتجاه المطلوب؛ فهي تضم 107 آلاف دور حواري مترجم بشريًا، وتغطي 13 دولة عربية و11 مجالًا، بما فيها الصحة والتعليم والزراعة، وتوفر بيانات أدق على مستوى المدينة واللهجة.
الفرص.. أين يمكن للمحتوى العربي أن يبني قيمة حقيقية؟
1. سوق لغوية واسعة يمكن تحويلها إلى اقتصاد حقوق
ليست الميزة الأولى هي مجرد وجود مئات الملايين من الناطقين بالعربية، بل وجود سرديات ولهجات وذاكرة وموسيقى وتاريخ وأدب ومأكولات وشخصيات وأسواق سياحية يمكن تحويلها إلى أصول. تستطيع الشخصية أن تنتقل من كتاب طفل إلى مسلسل ورسوم متحركة ولعبة ومنتج تعليمي وترخيص تجاري. ويستطيع البودكاست أن يتحول إلى كتاب أو فيلم وثائقي. المهم أن تُبنى الملكية منذ البداية بحيث تسمح بهذا التوسع.
هذه الفرصة تتطلب تغيير العقلية من "إنتاج حلقة" إلى "تطوير ملكية فكرية". وهو ما يفسر اهتمام السعودية بالألعاب؛ فالاستراتيجية الوطنية تستهدف مساهمة اقتصادية بنحو 50 مليار ريال بحلول 2030، وأكثر من 39 ألف وظيفة، وإنتاج أكثر من 30 لعبة تنافس عالميًا. كما تستهدف مجموعة Savvy دعم إنشاء 250 شركة ألعاب، ما يدل على أن السياسة تحاول الانتقال من استهلاك الألعاب إلى امتلاك أستوديوهات وسلاسل قيمة.
2. الفيديو القصير والبث المباشر والاقتصاد الاجتماعي
تشير تفضيلات الجمهور العربي إلى قوة الفيديو، كما تكشف تقديرات Kearney عن نمو سريع للبث المباشر. ويمكن لهذه الصيغة أن تصبح أكثر من ترفيه إذا رُبطت بالتجارة الإلكترونية والتعليم، والفعاليات، والخدمات، والسياحة. ومع ذلك، ينبغي عدم الوقوع في فخ "الترند"؛ فالقيمة طويلة الأجل تنشأ عندما تتحول الشهرة إلى قاعدة عملاء، وبيانات، وحقوق وعلامة، ومنتجات.
3. الموسيقى والبودكاست والصوت العربي
إن النمو السريع للموسيقى المسجلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والشراكات التي تقيمها قطر لتطوير مركز إقليمي للبودكاست وبرامج عربية أصلية، يكشفان أن الصوت قطاع قابل للنمو. تكلفة إنتاج البودكاست أقل من الدراما، ويمكن تصديره وترجمته بسرعة، كما يصلح للتعليم، والصحة والأعمال والثقافة. ويحتاج الإقليم إلى شبكات إعلان صوتي، وبيانات قياس موحدة، وأسواق حقوق، وتدريب في الكتابة الصوتية لا مجرد المعدات.
4. التعليم والصحة والمعرفة المتخصصة
أكبر فجوة، ليست بالضرورة في الترفيه، بل في المحتوى العربي العلمي والمهني. ويمكن للجامعات والمستشفيات والجمعيات والمراكز البحثية أن تصبح منتجين لا ناشرين فقط. هناك طلب على محتوى عربي في الذكاء الاصطناعي، والصحة، والمالية، والقانون، وريادة الأعمال، والعلوم، والمهارات. وهذا النوع من المحتوى أكثر قابلية لبناء نماذج B2B واشتراكات ودورات وترخيص للمؤسسات من المحتوى الجماهيري المجاني.
5. الذكاء الاصطناعي كأداة لتجاوز كلفة الترجمة
إذا استُخدم ضمن نظام مراجعة بشرية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكلفة إنتاج نسخ متعددة من المحتوى، ويولد ترجمات أولية، ودبلجة، ونسخًا نصية، وملخصات، ووصفًا لذوي الإعاقة. ويمكن بذلك أن يصبح العمل البحريني أو المغربي أو المصري قابلًا للوصول إلى أسواق عربية أخرى بسرعة أكبر. لكن لا بد من قياس خطأ اللهجات والمصطلحات، خصوصًا في الصحة والقانون والتعليم.
** خبير إعلامي
