مسقط- الرؤية
ضمن أعمال الجلسة الثالثة من برنامج «آفاق حضارية»، نظّمت وزارة الثقافة والرياضة والشباب ممثلة بالمنتدى الأدبي امسية فكرية وحوارية رفيعة المستوى تحت عنوان الترجمة والذاكرة في الخطاب الثقافي العُماني: مقاربات في الهوية وإنتاج المعرفة» بمشاركة قامات أكاديمية وبحثية بارزة في مجالات الترجمة والنقد والأدب، وبحضور جمع غفير من المهتمين بالشأن الثقافي والفكري في سلطنة عُمان.
وهدفت الجلسة- التي أدارها الدكتور محمد الشحي- إلى فتح قنوات حوار معرفي يناقش الدور الجوهري للترجمة في تشكيل الخطاب الثقافي، وبناء الهوية الوطنية، وإنتاج المعرفة. واستعرض المشاركون من خلال أوراق علمية ورؤى أكاديمية التحولات الثقافية والأدبية التي شهدتها السلطنة، مع استشراف آفاقها المستقبلية في ظل التداخل بين المحلي والعالمي.
وفي الورقة الأولى، سلّط الدكتور خالد بن محمد البلوشي، المترجم والكاتب العُماني وأستاذ قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة السلطان قابوس، الضوء على مفهوم الترجمة خارج أطرها التقليدية؛ موضحًا أن الترجمة ليست مجرد نقلٍ آلي أو ظاهري للأفكار، بل هي «خطاب ديناميكي» ذو أبعاد حضارية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية متكاملة.
وأشار البلوشي إلى أن الخطاب الترجمي يتعاطى بشكل مباشر مع قضايا المجتمع، إما بعكس المبادئ والقيم السائدة أو بتحدي التراتبيات القائمة. واستعرض عبر تحليلٍ شامل للكتب المترجمة في عُمان منذ بدء الألفية دور هذه الأعمال في إحداث حراك ثقافي مركّب، يسهم في تجاوز الرؤى الضيقة للثقافات ويؤسس لشبكة خطابات منتجة للمعرفة.
من جانبه، قدّم الدكتور عبدالغني بارة، أستاذ التعليم العالي بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السلطان قابوس والمتخصص في نظرية الأدب ومناهج النقد المعاصر، رؤية نقدية متعمقة حول الأبعاد التأويلية والسيميائية للخطاب الترجمي والنقدي.
وتناول بارة كيفية استخدام الترجمة والنقد كأدوات لتفكيك الأنظمة المعرفية وإعادة قراءة التراث، مشيرًا إلى أن الفعل الترجمي يرتبط بجماليات التلقي وإعادة إنتاج النص في بيئات ثنائية اللسان والثقافة، مما يُكسب الخطاب الأدبي والنقدي في السلطنة مرونة تتفاعل مع المدارس الفكرية الحديثة دون التفريط بالهوية والمحافظة على الذاكرة الثقافية.
وشهدت الأمسية في ختامها مناقشات ومداخلات أثرت المحاور المطروحة من قبل الجمهور والمختصين، والذين أجمعوا على أهمية استمرار مثل هذه الجلسات الفكرية لتعزيز حركة الترجمة والنقد في عُمان، ورفد الساحة الأدبية بدراسات منهجية تُعنى بالذاكرة الثقافية والهوية المعرفية.





