56 عاما صنعت هوية "كأس الخليج".. فمن أين بدأت الحكاية؟

الرؤية- أحمد السلماني

لم تكن بطولة كأس الخليج لكرة القدم عند ولادتها مجرد مسابقة رياضية تبحث عن بطل، بل جاءت في مرحلة كانت فيها دول المنطقة تتطلع إلى توسيع مساحات التواصل والتقارب بينها، لتتحول مع مرور السنوات إلى واحدة من أبرز المناسبات الرياضية والاجتماعية في الخليج، وتحمل معها في كل دورة الكثير من الحكايات والمواقف التي تجاوزت حدود المستطيل الأخضر.

من صاحب فكرة كأس الخليج؟

تتعدد الروايات التاريخية حول صاحب الفكرة الأولى للبطولة. فالرواية التي ظلت متداولة لسنوات تنسب الفكرة إلى الأمير خالد الفيصل في أواخر ستينيات القرن الماضي، فيما ارتبط اسم الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة، رئيس الاتحاد البحريني لكرة القدم آنذاك، بتحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ.

لكن وثائق صحفية ظهرت لاحقا قدمت رواية أقدم، ونشرتها الرؤية، إذ كشفت صحيفة «النهار» الكويتية عن مقال للإعلامي الرياضي الكويتي الراحل عبدالله العوضي نشر في صحيفة «الرأي العام» الكويتية في مارس 1962، دعا فيه صراحة إلى إقامة دورة تجمع فرق الخليج، وأن تبدأ بكرة القدم باعتبارها اللعبة الأكثر انتشارا، وهو ما يسبق زمنيا الروايات الأخرى المتداولة عن نشأة الفكرة.

وبعيدا عن الجدل حول صاحب الفكرة الأولى، يبقى الدور البحريني حاسما في تحويل المشروع إلى واقع، إذ تحرك الاتحاد البحريني باتجاه إقامة المسابقة، وعقد اجتماع في المنامة عام 1969 بحضور ممثلي البحرين والسعودية والكويت وقطر، قبل أن ترى البطولة النور رسميا في البحرين عام 1970.

وكان من بين أهداف البطولة منذ بدايتها رفع مستوى كرة القدم في المنطقة، وزيادة الاحتكاك بين المنتخبات، وتعزيز التواصل والتقارب بين أبناء الخليج، وهي أهداف جعلتها منذ انطلاقتها تحمل أبعادا رياضية واجتماعية تتجاوز مسألة الفوز والخسارة.

IMG_2183.jpeg
 

خليجي 1.. البحرين 1970 والبداية التاريخية

احتضنت البحرين النسخة الأولى خلال الفترة من 27 مارس إلى 3 أبريل 1970، بمشاركة أربعة منتخبات هي البحرين والكويت والسعودية وقطر، وأقيمت المنافسات بنظام الدوري من دور واحد.

وسجل البحريني أحمد سالمين أول هدف في تاريخ كأس الخليج في المباراة الافتتاحية أمام قطر، بينما فرض المنتخب الكويتي نفسه بقوة على النسخة الأولى، وحقق الفوز في مبارياته الثلاث ليتوج بأول لقب في تاريخ البطولة.

وجاءت البحرين وصيفة، والسعودية ثالثة وقطر رابعة، وتقاسم الكويتيان محمد المسعود وجواد خلف صدارة الهدافين، بينما حصل القطري خالد بلان على جائزة أفضل لاعب والسعودي أحمد عيد على جائزة أفضل حارس.

وخارج الملعب، كانت النسخة الأولى بمثابة المؤتمر التأسيسي الحقيقي لاستمرار البطولة، إذ اتفق ممثلو الدول المشاركة على تنظيمها بصورة دورية كل عامين، كما وضعت قاعدة تمنح المنتخب الذي يحرز الكأس ثلاث مرات حق الاحتفاظ بها نهائيا.

ومن البحرين بدأت الحكاية التي لم يكن يتوقع كثيرون حينها أن تتحول إلى واحدة من أكثر البطولات ارتباطا بالوجدان الرياضي الخليجي.

خليجي 2.. الرياض 1972 وأول أزمة انسحاب

انتقلت البطولة في نسختها الثانية إلى العاصمة السعودية الرياض عام 1972، وشهدت انضمام منتخب الإمارات للمرة الأولى، ليرتفع عدد المشاركين إلى خمسة منتخبات.

وواصلت الكويت هيمنتها، ودخلت في منافسة قوية مع المنتخب السعودي على اللقب، قبل أن تحسم البطولة لمصلحتها وتحقق الكأس للمرة الثانية على التوالي، فيما جاءت السعودية وصيفة.

لكن خليجي 2 بقيت في الذاكرة أيضا بسبب واحدة من أولى الأزمات الكبيرة في تاريخ المسابقة، عندما انسحب المنتخب البحريني أثناء مباراته أمام السعودية احتجاجا على قرارات التحكيم، بعدما شهد اللقاء طرد لاعبين من البحرين.

وأدى الانسحاب إلى شطب نتائج البحرين من البطولة، وكان لذلك تأثير مباشر في حسابات المنافسة والترتيب، كما ساهمت أحداث الدورة في إعادة النظر في بعض اللوائح المنظمة للمسابقة.

وكانت النسخة الثانية كذلك شاهدة على اتساع رقعة البطولة بعد دخول الإمارات، في مؤشر مبكر على أن المسابقة الصغيرة التي بدأت بأربعة منتخبات تتجه سريعا لتصبح بطولة لكل المنطقة.

خليجي 3.. الكويت 1974 وعمان تدخل التاريخ

استضافت الكويت النسخة الثالثة عام 1974، وكانت محطة تاريخية بالنسبة لكرة القدم العمانية، بعدما سجل منتخب سلطنة عمان ظهوره الأول في دورات كأس الخليج، ليرتفع عدد المنتخبات المشاركة إلى ستة.

وشهدت البطولة تغييرا في نظام المنافسة مع تقسيم المنتخبات إلى مجموعتين، قبل الانتقال إلى الأدوار النهائية.

وكما كان متوقعا في ظل الهيمنة الكويتية على كرة القدم الخليجية آنذاك، وصلت الكويت والسعودية إلى المباراة النهائية، وقدم الأزرق عرضا قويا أنهاه بالفوز برباعية نظيفة، ليتوج بالبطولة للمرة الثالثة على التوالي.

وجاءت السعودية وصيفة، فيما حصل الكويتي جاسم يعقوب على لقب هداف البطولة بستة أهداف، والقطري محمد غانم على جائزة أفضل لاعب والكويتي أحمد الطرابلسي على جائزة أفضل حارس.

وكان اللقب الثالث للكويت حدثا تاريخيا بحد ذاته، إذ منحها حق الاحتفاظ بالكأس الأولى نهائيا وفقا للنظام الذي وضع عند انطلاق المسابقة.

أما عمان، فكانت مشاركتها بداية ارتباط طويل بكأس الخليج، ورغم الفوارق الفنية الكبيرة التي كانت تفصل المنتخب العماني آنذاك عن المنتخبات الأكثر خبرة، فإن ظهوره في الكويت وضع اللبنة الأولى لمسيرة ستتغير صورتها جذريا خلال العقود التالية.

خليجي 4.. قطر 1976 والعراق يدخل بقوة

احتضنت قطر النسخة الرابعة خلال الفترة من 25 مارس إلى 15 أبريل 1976، وكانت البطولة على موعد مع دخول قوة كروية جديدة تمثلت في المنتخب العراقي، ليرتفع عدد المشاركين إلى سبعة منتخبات.

وقدم العراق منذ مشاركته الأولى أوراق اعتماده منافسا قويا للكويت، وتحولت البطولة إلى مواجهة مثيرة بين المنتخبين.

وانتهت مواجهتهما في الدوري بالتعادل 2-2، قبل أن يتساويا في صدارة المنافسة، ليتم الاحتكام إلى مباراة فاصلة لتحديد البطل.

وفي المباراة الحاسمة، تمكنت الكويت من الفوز على العراق 4-2، لتواصل احتكارها للكأس وتحرز لقبها الرابع على التوالي، فيما اكتفى العراق بالوصافة في مشاركته الأولى.

وتوج الكويتي جاسم يعقوب هدافا للبطولة بتسعة أهداف، في واحدة من أبرز مشاركاته في تاريخ كأس الخليج.

ولم تخل البطولة من أحداث خارج المستطيل الأخضر، إذ شهدت جدلا حول تسجيل قطر لاعبين من أصول غير خليجية، وأثارت المسألة اعتراضات بين الوفود المشاركة قبل معالجة القضية وعدم استمرار اللاعبين محل الاعتراض.

وكانت خليجي 4 مؤشرا واضحا إلى أن احتكار الكويت لم يعد سهلا كما كان في الدورات الثلاث الأولى، فقد وصل العراق وأظهر منذ البداية قدرته على تغيير موازين القوى.

خليجي 5.. بغداد 1979 وسقوط الاحتكار الكويتي

كانت الإمارات مقررة لاستضافة النسخة الخامسة، إلا أن ظروف المنشآت وعدم اكتمال الجاهزية أدت إلى انتقال الاستضافة إلى العراق، لتحتضن بغداد البطولة عام 1979.

وهناك حدث التحول الأكبر في تاريخ كأس الخليج حتى ذلك الوقت.

دخل العراق البطولة على أرضه بقيادة المدرب عمو بابا بطموح إنهاء السيطرة الكويتية، وقدم واحدا من أقوى العروض الجماعية في تاريخ المسابقة، وحقق الفوز في جميع مبارياته الست.

وسجل المنتخب العراقي 23 هدفا خلال مشواره ولم تستقبل شباكه سوى هدف واحد، ليتوج باللقب الخليجي الأول في تاريخه وينهي احتكار الكويت الذي استمر أربع بطولات متتالية.

وحلت الكويت وصيفة، والسعودية ثالثة، بينما فرض نجوم العراق سيطرتهم على الجوائز الفردية، فتوج حسين سعيد هدافا بعشرة أهداف، وحصل هادي أحمد على جائزة أفضل لاعب، ورعد حمودي على جائزة أفضل حارس.

ولم يكن لقب العراق مجرد بطولة جديدة، بل شكل تحولا في خريطة القوة الخليجية، إذ أصبح أول منتخب غير الكويت يرفع الكأس منذ انطلاق المسابقة عام 1970.

وبذلك انتهى الفصل الأول من السيطرة الكويتية المطلقة، وبدأت البطولة تعرف منافسة أكثر اتساعا.

خليجي 6.. أبوظبي 1982 ونسخة الانسحاب العراقي

احتضنت الإمارات النسخة السادسة عام 1982، بمشاركة المنتخبات السبعة، وأقيمت منافساتها في أبوظبي.

وجاءت البطولة في توقيت مهم لكرة القدم الكويتية، إذ كان الأزرق يستعد لخوض نهائيات كأس العالم 1982 في إسبانيا كأول منتخب خليجي عربي يحقق هذا الإنجاز.

واستعادت الكويت اللقب الذي فقدته في بغداد، وتوجت بكأس الخليج للمرة الخامسة في تاريخها.

لكن الحدث الأكثر إثارة في الدورة جاء من المنتخب العراقي حامل اللقب، الذي انسحب أثناء المنافسات بقرار رسمي، وشطبت نتائجه من البطولة.

وارتبطت واقعة الانسحاب في الروايات التاريخية المتداولة برغبة العراق في إفساح المجال أمام الكويت التي كانت مقبلة على المشاركة في كأس العالم، وهي واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ المبكر للبطولة.

كما جاءت البطولة بالتزامن مع إبراز المنشآت الرياضية الحديثة في أبوظبي، وعلى رأسها مدينة زايد الرياضية، ومنحت الإمارات الاستضافة بعدا تنظيميا وإعلاميا بارزا.

وعلى الصعيد الفردي، تقاسم أربعة لاعبين صدارة الهدافين بثلاثة أهداف لكل منهم، وهم السعودي ماجد عبدالله والكويتي يوسف سويد والإماراتي سالم خليفة والبحريني إبراهيم زويد، فيما حجبت جائزة أفضل لاعب وحصل الإماراتي سعيد صلبوخ على جائزة أفضل حارس.

خليجي 7.. مسقط 1984 وعمان تستقبل العرس الخليجي للمرة الأولى

في عام 1984 وصلت كأس الخليج إلى سلطنة عمان للمرة الأولى، لتصبح مسقط مسرحا للنسخة السابعة من البطولة، بمشاركة المنتخبات السبعة: عمان والعراق وقطر والسعودية والكويت والإمارات والبحرين.

وشكل تنظيم البطولة حدثا رياضيا واجتماعيا كبيرا في السلطنة، التي كانت تعيش مرحلة متسارعة من بناء منشآتها ومؤسساتها الرياضية، وجاءت كأس الخليج لتضع كرة القدم العمانية أمام جمهور المنطقة بصورة غير مسبوقة.

وافتتح السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، البطولة التي أقيمت منافساتها في استاد الشرطة بالوطية، وتحولت مسقط خلال أيام المنافسات إلى ملتقى للوفود والجماهير والإعلاميين الخليجيين.

وعلى أرض الملعب، شهدت البطولة منافسة شديدة، خصوصا بين العراق وقطر، بينما لم تتمكن الكويت، صاحبة الألقاب الخمسة، من استعادة هيمنتها السابقة.

وأنهى العراق وقطر مشوارهما متساويين في الصدارة، ليتم اللجوء إلى مباراة فاصلة لتحديد البطل.

وفي اللقاء الحاسم تقدم العراق عن طريق عدنان درجال، قبل أن يعادل منصور مفتاح للمنتخب القطري، واستمر التعادل 1-1، ليتم اللجوء إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت للعراق بنتيجة 4-3.

وبذلك توج المنتخب العراقي بلقبه الخليجي الثاني، فيما حلت قطر وصيفة، وجاءت السعودية ثالثة والإمارات رابعة.

وحصل العراقي حسين سعيد على لقب هداف البطولة بستة أهداف، كما تقاسم جائزة أفضل لاعب مع النجم العماني الراحل غلام خميس، فيما نال العراقي فتاح نصيف جائزة أفضل حارس.

وكان حصول غلام خميس على جائزة أفضل لاعب مناصفة مع حسين سعيد واحدا من أهم المكاسب الفردية لكرة القدم العمانية في سنواتها الأولى خليجيا، وأكد المكانة الفنية الكبيرة التي كان يتمتع بها نجم الكرة العمانية.

كما حملت الدورة أحداثا أخرى لافتة، من بينها التغيير الفني في المنتخب السعودي بعد الخسارة الثقيلة أمام العراق، حيث انتهت مهمة المدرب البرازيلي الشهير ماريو زاجالو، وتولى المدرب الوطني خليل الزياني المهمة.

ولم تكن أهمية خليجي 7 بالنسبة لعمان مرتبطة بنتائج المنتخب وحدها، بل بما مثلته البطولة من تجربة تنظيمية وجماهيرية وإعلامية واسعة، ومرحلة مهمة في علاقة الجماهير العمانية بكأس الخليج، وهي العلاقة التي ستتطور لاحقا حتى يصبح المنتخب العماني نفسه أحد أبطال المسابقة.

من البحرين إلى مسقط.. 14 عاما صنعت هوية البطولة

احتاجت كأس الخليج إلى أربعة عشر عاما فقط للانتقال من مسابقة صغيرة شاركت فيها أربعة منتخبات في البحرين عام 1970 إلى حدث خليجي كبير تشارك فيه سبعة منتخبات عندما وصلت إلى مسقط عام 1984.

وخلال النسخ السبع الأولى فرضت الكويت سيطرة غير مسبوقة، فكانت بطلة النسخ الأولى والثانية والثالثة والرابعة، قبل أن يكسر العراق الاحتكار في بغداد 1979، ثم استعادت الكويت الكأس في أبوظبي 1982، وعاد العراق ليتوج في مسقط 1984. وبذلك خرجت الكويت من الحقبة الأولى بخمسة ألقاب مقابل لقبين للعراق. (AGCFF⁠)

أما الوصافة، فكانت للبحرين في النسخة الأولى، والسعودية في الثانية والثالثة، والعراق في الرابعة، والكويت في الخامسة، والبحرين في السادسة، وقطر في السابعة.

لكن قيمة تلك السنوات لا تختصر في هوية البطل والوصيف. فقد شهدت البطولة انضمام الإمارات ثم عمان والعراق، وانسحابات وأزمات تحكيمية وتنظيمية، وتغييرات في اللوائح وأنظمة المنافسة، كما رافقتها نهضة متسارعة في المنشآت الرياضية والإعلام الرياضي الخليجي.

ومن فكرة اختلفت الروايات حول صاحبها، إلى مبادرة بحرينية حولتها إلى واقع، ثم إلى بطولة أخذت تنتقل بين دول المنطقة، صنعت كأس الخليج لنفسها هوية خاصة.

ولذلك لم تعد «الخليجية» بالنسبة لأبناء المنطقة مجرد كأس ترفع في نهاية البطولة، بل أصبحت ذاكرة مشتركة، تحمل قصص المنتخبات والنجوم والجماهير والمدربين، وتختزن في تاريخها الكثير من التحولات الرياضية والاجتماعية التي عاشتها دول الخليج منذ سبعينيات القرن الماضي.

وفي العام الجاري 2026، تستعد مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية لاستقبال العائلات والجماهير القادمة من مختلف دول الخليج لمتابعة منافسات بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم «خليجي 27»، التي تقام خلال الفترة من 23 سبتمبر حتى 6 أكتوبر 2026، في بطولة ارتبطت على مدى تاريخها بالأجواء الجماهيرية واللقاء بين أبناء المنطقة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z