سلمى بنت سيف البطاشي
ليس غريبًا أن تُخفي الكتب القديمة بين صفحاتها أوراقًا متفرقة، غير أنَّ بعضها يتجاوز كونه ورقةً منسية؛ ليغدو شاهدًا على حدثِ، أو موقف، أو أثر، لم يرد في المصادر المطبوعة. وكثيرًا ما تُسهم هذه الأوراق في استكمال جوانب سقطت سهوًا أو نسيانًا أو إهمالًا من سيرة أصحابها، أو تكشف عن نصوص لم يسبق نشرها، فتكتسب بذلك قيمةً تأريخيّة وأدبيّة تستحق العناية والتوثيق.
ومن هذا القبيل، وقفتُ على قصيدة للشيخ القاضي سيف بن حمد بن شيخان الأغبري ت: 1380هج / 1961م، مدونةُ على الورقة الأخيرة من كتاب "شرح ألفية ابن مالك"، وقد أثبت الأغبريّ تأريخ نظمها، في 1335هـ، كما صدَّرها بتعليق موجز يبين مناسبتها، جاء فيه: "في أمر جرى، على من عاتبه عليه بعض إخوانه". وعلى قِصَر هذه العبارة، فإنها تمثل مِفتاحًا لفهم سياق القصيدة الآتي ذكرها، وتكشف أنها تعبير عن موقف ترك أثره في نفس قائلها. وتنبع أهمية هذه القصيدة من أنها لم ترد ضمن ديوان، أو مجموعة شعرية. وبعد تتبع ما تيسر لي الوقوف عليه والبحث لم أقف على إدراج هذه القصيدة ضمن ديوان منشور، كما لم أجد لها - في حدود ما انتهى إليه بحثي – نشرًا أو إشارةً سابقة. ومن ثم فإن إثباتي لها في هذا المقال يُعد إحياءً لنصِ ظلَّ محفوظاً أكثر من مئة عام، بعيدًا عن التداول ومن هنا تأتي أهمية إخراجها والتعريف بها، بوصفها نصًّا شعريًّا بقي حبيسًا طوال هذه المدة في موضعه الأول، حتى عثرت عليه. وسأثبتها في هذه المقالة بنصها كما ورد في الأصل، لتبقى القصيدة حاضرة بكلمات صاحبها، وشاهدة على المناسبة التي قيلت فيها، وعلى ما أراد أن يعبّر عنه من مشاعر ومعانٍ، ومجموعها ستة أبيات. قال العبد لله سيف بن حمد الأغبريّ في أمرٍ جرى بينه وبين بعض معاصريه، فعاتبه إخوته على رِدَّة فعله:[لقدْ أكثرَ العُذّال في اللّومِ والعَذْلِ/على ما جَرى منّي وما كانَ من فِعْلي- فقلتُ: دعوني واعذُروا فالذي أَتَى/ عَلَى بَصَرٍ منّي وما كانَ عَنْ جَهْلِ- أَلَمْ تعلموا نَفْسَ الكريمِ أبيّةً/ فلمْ تحتمِلْ ضَيْمًا ولمْ تَرْضَ بالذُّلِ - فَوَاللهِ لا أَرْضَى بِذُلِّ معيشةٍ/ولَا يسكتني قلبي لمَنْ لم يكن مثلي- سَأبسطُ إِحْسَاني لمَن جاءنِي بهِ/ ومَنْ جاءَ بالمكروهِ عُوقِب بِالْمِثْلِ- وأَحْلُمُ مَهْمَا كانَ للحِلْم مَوضِعٌ/ وإلّا فبعضُ الحِلْم نوعٌ من الجَهْلِ]. كتبه - سيف بيده يوم 9 شهر ذي القعدة 1335هـ. كما ورد تحت القصيدة إعادة للبيت الخامس منها[سَأبسطُ إِحْسَاني لمَن جاءنِي بهِ/ ومَنْ جاءَ بالمكروهِ عُوقِب بِالْمِثْلِ] كتبه - سالم بن سيف بن حمد بيده 6 صفر 1336هـ.

تمثل هذه القصيدة إضافة نوعيّة إلى المشهور من تراث الشيخ القاضي سيف بن حمد الأغبري - رحمه الله-، وذات قيمة تخطت بها مجال الأدب العمانيّ إلى مجال التوثيق التأريخي، فصارت شاهدًا على جانب من حياة الشيخ ومواقفه، فضلًا عن نصِّها الشعريّ، وما حوى من قرائن توثيقيّة حفظت تأريخ نظمها، ومناسبتها، وموضع تدوينها، وما تكشف أبياتها عن باعث نظمها، وموقف الشيخ في مواجهة معاتبه لأمرٍ كان بينهما، فكتبها ردًّا عليه، ومؤكدًا له أن الإحسان يُرَدُّ بالإحسان، والإساءة تستوجب الجزاء، ثم ختم قصيدته بحكمة كاشفة عن مبدئه في التعامل مع الناس، وخلاصتها: أن الحلم محمود في موضعه، أما إذا تجاوز حدّه أصبح ضَعْفًا وتفريطًا، وصار لونًا من الجهل.
وأمّا عن إخراجي لهذه القصيدة/ الوثيقة، ونشرها لم يكن لإثباتها فحسب، بل للإسهام أيضًا في حفظها كأثرٍ ثقافيٍّ ظلَّ بعيدًا عن التداول أكثر من قرن، وإن إتاحته للباحثين استكمالٌ للمشهور من سيرته ناظمها، وحياته الاجتماعية، واستدراكٌ لما فات المصادرُ المطبوعة من نصوصه المتفرقة، وإضمامة لمؤلفاته المتداولة.
وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى صيانة تراثنا، وأن يعيننا على إخراج ما بقي من نصوص وآثار إلى دائرة المعرفة، حفظًا لعلوم السابقين الأولين، ووفاءً لهم، ونفعًا لمن يأتي بعدهم؛ فما وصل إلينا من تراث الأسلاف أمانة في أعناقنا، وحفظه وإبرازه رسالة تتطلب الصبر والدقة والأمانة العلمية.
