السيادة المُغيبة لـ"المُحيط العُماني"

 

حمد الناصري

 

تُمثّل التسميات الجغرافية للمساحات المائية الشاسعة حجر الزاوية في توثيق التاريخ السياسي والملاحي للأمم؛ غير أن استقراء خرائط الجغرافيا السياسية المعاصرة يضعنا أمام مفارقة بحثية بالغة الغرابة، تتمثل في غياب اسم "المحيط العُماني" ولحوقهُ بمسميات استعمارية أو سواحل جغرافية لقوى إقليمية برية خاملة لم تمتلك تاريخيًا ولا سيادة بحرية ولا أساطيل ملكية ضاربة قُبالة هذه الواجهة المائية المفتوحة.

والحال أن كُتب الملاحة القديمة، وروزنامات الربابنة الأسياد، تُؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الفضاء المائي الهادر، المنفتح على أفق لا ينتهي، كان يمثل بامتياز "المحيط العُماني" ومصَبّ البحار الستة؛ وهو الفضاء المائي ذاته الذي وثقه الإغريق قديمًا في مجلداتهم وخرائطهم باسم "بحر عُمانا" (Omana Sea)  مُستندين إلى جغرافية بطليموس والرحلات البابلية القديمة، ونعته ربابنة الملاحة القديمة في المسالك والممالك بـ"البحر الأخضر" لعمق مياهه وحيويته، والواجهة الحيوية التي طوّعتها العقلية والبسالة البحرية العُمانية عبر العصور حمايةً وبناءً وتواصلًا حضاريًا يمتد من عُمق الخليج العربي صوب موانئ الهند وحواضر شرق إفريقيا.

ومن هذا المُنطلق المنهجي الدقيق، يؤكد التحقيق التاريخي والجغرافي المجرد أنّ الهند لم تكن لها حضارة بحرية أو أساطيل سيادية مطلقًا؛ بل كانت تاريخيًا وبنيويًا حضارة برية وزراعية محضة، وهو ما تُؤكده الوثائق والسجلات البريطانية والشرقية (ومنها دراسات المستشرق السير آرنولد ويلسون في كتابه الخليج العربي)؛ حيث أشار المؤرخون والرحالة الأوائل إلى ذلك البحر بمجرد الوصف الجغرافي الخامل لسواحل شبه القارة كـ"الساحل الهندي الشرقي" و"الساحل الهندي الغربي" دون وجود صِفة سيادية بحرية لها.

وفي مُقابل هذا الخمول الهندي، كانت عُمان هي "العقل المُدَبّر" والمحرك الرئيسي للملاحة والتجارة والسيادة البحرية، وكان أسطولها يجوب هذا البحر المفتوح ليلًا ونهارًا دون انقطاع. لذا، فإنّ هذا البحر الشرقي العميق والمنفتح على المجهول لم ينعقد صكّ طاعته وسيادته إلا للدولة العُمانية؛ فهي القوة البحرية الوحيدة التي جابته من أقصى الغرب حيث الخليج العربي وقطر، ممتدًا في سياق ريادتها العالمية صوب حواضر الشرق الإفريقي.

ولهذا السبب التاريخي، أطلق الربابنة العُمانيون الأسياد وأحمد بن ماجد في مجلداتهم ومخطوطاتهم الملاحية الفريدة اسم "بحر الظُلمات" أو "بحر المجهول" على تلك الأجزاء البعيدة والمفتوحة من المُحيط؛ تعبيرًا عن طبيعتهِ الهادرة، وظُلمة مياهه العميقة، وعواصفه الشديدة التي عُرفت في التراث الملاحي بـ"النوّات المُظلمة" كما جاء في كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد" للربّان العُماني أحمد بن ماجد، وهي التي تفرض الهلاك على ركابها. والتي لم يَجسر على فكّ طلاسمها وضبط مسالكها بـ"الروزنامات" القياسية وإيقاعات الصوت وصُعود النجوم إلا البحارة العُمانيون، مما يجعل تغييب اسم "المحيط العُماني" اليوم مُغالطة جغرافية واضحة تخالف إرث الرّبابنة وصُناع الحضارة البحرية العريقة والمجد العربي البحري قاطبة.

خُلاصة القول.. يقودنا هذا التقصي الجغرافي والتحقيق الملاحي الدقيق إلى وقفة ملؤها التساؤل والاندهاش، ليبقى السؤال الصادم قائمًا: كيف طُمست السيادة البحرية المطلقة لأمة جابت أساطيلها وربابنتها هذا البحر المفتوح ليلًا ونهارًا، ليُمنح مسمى المحيط بالكامل لقوة إقليمية برية زراعية خاملة لم تمتلك يومًا أسطولًا سياديًا في أعالي البحار العميقة.؟.

إنُّ هذا التغييب المُجحف لاسم "المحيط العُماني" واستبداله بـ"المحيط الهندي" لا يعدو أن يكون قراءة استعمارية غير مُنصفة وغير عادلة؛ بل وغير دقيقة ومُتحيزة وبلا أدنى حِيادية، شوّهَت حقائق الجغرافيا المادية؛ فعُمان التي طوّعت "البحر الأخضر" وعبرت "بحر الظُلمات" وحمَتْه بعقليتها وبسالة بحارتها هي الأحق وهي الأولى وهيَ الأجدر بصك هذه التسمية. ويبقى هذا التساؤل حيًا وصادمًا يستنهض الباحثين والمُنصفين لإعادة الحق "السيادة البحرية العُمانية" لأصحابها وتصحيح مُجريات التاريخ الجغرافي العظيم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z