عباس الزدجالي
◄ من «البطاطا الصغيرة» إلى الناقلات المحترقة!
للحروب روايتان عادة: واحدة تكتبها الحكومات في بياناتها العسكرية، وأخرى يكتبها الناس الذين يدفعون ثمنها. وبين الروايتين أحيانًا مساحة أوسع من مضيق هرمز نفسه!
وفي الحرب الأمريكية على إيران، ربما يكون من المفيد هذه المرة ألا نستمع إلى الرئيس دونالد ترامب ولا إلى وزير دفاعه ولا إلى جنرالاته، بل أن ننزل قليلًا إلى أسفل أخبار «واشنطن بوست»، لنقرأ ماذا يقول قرّاؤها الأمريكيون.
ففي أحدث تقارير الصحيفة عن استهداف القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بلغ عدد التعليقات 798 تعليقًا. وهذه بالطبع لا تمثل استطلاعًا علميًا للرأي العام الأمريكي، كما أن التعليقات المختارة هنا من بين الأعلى تفاعلًا، لكنها تفتح نافذة لافتة على الطريقة التي ينظر بها قطاع من قرّاء الصحيفة إلى حرب دخلت شهرها السابع.
المفارقة تبدأ من البيت الأبيض نفسه؛ فبينما تستمر الصواريخ في الانطلاق والسفن في الاحتراق والجنود في القتل والإصابة، تصر الإدارة الأمريكية على تجنُّب تسمية ما يحدث «حربًا».
ولم يحتج القرّاء إلى كثير من التحليل. كتب أحدهم ساخرًا: «يا لحسن الحظ أننا لسنا في حرب حقيقية!»
وسأل آخر: «انتظر، ألم يقل المحترم نائب رئيسنا للتو إنه لا توجد حرب؟ هل يُعقل أنه كان يكذب؟».
ثم جاءت عبارة ترامب التي قلل فيها من شأن الحرب واصفًا إياها بأنها «بطاطا صغيرة»، فرد أحد القرّاء: «"البطاطا الصغيرة" تواصل النمو! هل بقي أي إحساس بالواقع هناك في البيت الأبيض؟».
ويبدو بالفعل أن «البطاطا» تكبر؛ فالحرب التي توقع ترامب في بدايتها أن تنتهي خلال أسابيع دخلت شهرها السابع، ومعها تتزايد الكلفة البشرية والمالية.
لكن المواطن الأمريكي لا يعيش داخل غرفة العمليات في البنتاغون، بل يقود سيارته إلى محطة الوقود. ولذلك سأل قارئ: «إذن، كم من الدولارات تكلفنا يوميًا هذه الـ"ليست حربًا"؟».
وكتب آخر بسخرية أشد: «حسنًا... لنقصف الناقلات. لا بد أن ذلك سيخفض أسعار النفط! ناهيك عن الكارثة البيئية. هل أصبحت هذه حربًا بعد يا JD (يقصد نائب الرئيس جيه دي فانس)؟»
لكن أكثر ما يلفت النظر في التعليقات ليس السياسة ولا أسعار الوقود، بل البيئة؛ فقد تحول ضرب ثلاث ناقلات نفط إلى سؤال متكرر: ماذا سيحدث للنفط إذا غرقت هذه السفن؟
وكان من أبرز التعليقات وأكثرها تفاعلًا، تعليق حصل على 149 تقييمًا إيجابيًا، وجاء فيه: «ضرب ثلاث ناقلات نفط، ولا كلمة عن الأثر البيئي؟ هيا يا كُتّاب الصحيفة. كنتم أفضل من ذلك».
وتساءل قارئ آخر: «إلى جانب الكلفة البشرية... ما الضرر البيئي الناجم عن تدمير ناقلة نفط؟»
أما آخر فاختصر المسألة بسؤال بسيط: «من سينظف النفط المتسرب؟».
وتساءل قارئ آخر عما إذا كان المقصود مجرد توجيه رسالة أم إغراق الناقلات: «وفي الوقت نفسه خلق كارثة بيئية؟».
وهي أسئلة لا تبدو بعيدة عنا في عُمان؛ فالنفط عندما ينسكب في البحر لا يحمل جواز سفر، والتيارات البحرية لا تعترف بالحدود. وضرب ناقلة ليس مجرد إصابة «هدف» على شاشة عسكرية؛ فقد يتحول إلى فاتورة بيئية يدفعها البحر والسواحل والصيادون والحياة البحرية في دول لم تطلق رصاصة واحدة.
ثم يأتي مضيق هرمز، بطل هذه الحرب الذي لم يطلب البطولة!
وهنا قدم أحد القرّاء ربما أطرف اختصار لحالة التخبط: «مغناطيس ثلاجتي مكتوب على أحد وجهيه: "مضيق هرمز مفتوح"، وعلى الوجه الآخر: "مضيق هرمز مغلق". لقد استسلمت عن معرفة أي الوجهين أعرض!».
ولعل هذا المغناطيس اختصر أزمة الإدارة الأمريكية أفضل من مئات المؤتمرات الصحفية؛ فإعادة فتح المضيق أصبحت اليوم هدفًا أمريكيًا رئيسيًا، رغم أنها لم تكن أصلًا من أهداف الحرب عند بدايتها. وبعبارة أبسط: الحرب خلقت أزمة هرمز، ثم أصبح حل أزمة هرمز التي خلقتها الحرب سببًا لاستمرار الحرب!
ولا تعني هذه التعليقات أن 798 قارئًا يمثلون الشعب الأمريكي، لكنها تكشف مزاجًا يبدو أن استطلاعات الرأي الأوسع تؤكده أيضًا؛ ففي أحدث استطلاع لشبكة "إن بي سي نيوز" (NBC News)، قال 69% من الأمريكيين إنهم لا يوافقون على طريقة إدارة ترامب للحرب على إيران، مقابل 31% يوافقون عليها. كما أظهر استطلاع لإبسوس/ رويترز أن رُبع الأمريكيين فقط يرون أن الحرب تستحق كلفتها.
وهكذا، يبدو أن السخرية التي نقرأها تحت أخبار «واشنطن بوست» ليست معزولة تمامًا عن المزاج الأمريكي العام.
ولعل قارئ الصحيفة الذي كتب: «هل نحتاج إلى دليل آخر على أن هذه حرب بلا نهاية؟» لم يكن يعبّر عن غضبه وحده؛ فالأرقام، هذه المرة، تبدو أقرب إلى صفّه منها إلى صفّ البيت الأبيض.
********
رابط المقال في صحيفة واشنطن بوست:
