مَن أعطاك حق الحضور؟

 

يوسف البلوشي **

لم تعد الدعوة إلى بعض ولائم الأعراس تقتصر على ما يُوجهه صاحب المناسبة إلى أقاربه وأصدقائه ومعارفه، بل ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عندها؛ تتمثل في تداول مواعيد ومواقع ولائم الأعراس في مجموعات التواصل الاجتماعي، ثم يتعامل البعض مع هذا التداول وكأنه دعوة عامة ومفتوحة للحضور.

والأكثر غرابة أنَّ بعض الأشخاص أصبحوا يتتبعون مثل هذه المناسبات، ويحرصون على حضورها رغم عدم توجيه الدعوة إليهم من صاحب المناسبة أو أسرته.

وهنا يطرح الأمر سؤالًا بسيطًا، لكنه في غاية الأهمية: هل مجرد علمك بإقامة وليمة زواج يمنحك حق الحضور؟

بالتأكيد، المعرفة بموعد المناسبة لا تعني الدعوة إليها، وتداول موقع العرس أو اسم صاحبه في مجموعة من مجموعات التواصل الاجتماعي لا يحول المناسبة الخاصة إلى مناسبة عامة؛ فالوليمة في أصلها مناسبة ينظمها صاحبها وفق ظروفه وإمكاناته، وهو الذي يحدد من يدعو، وعدد المدعوين، ومكان استقبالهم، وما يحتاجه ذلك من طعام وضيافة وتنظيم.

ومن المنظور الاجتماعي، فإنَّ الدعوة ليست مجرد رسالة أو اتصال، وإنما هي إذن بالزيارة والحضور. ولذلك فإنَّ الذهاب إلى مناسبة دون دعوة قد يتعارض مع أبسط قواعد الذوق الاجتماعي والاستئذان، حتى لو كان القصد هو المشاركة في فرحة العريس.

أما من الناحية القانونية، فلا تنشأ للشخص علاقة تخوله الحضور لمجرد معرفته بالمناسبة أو حصوله على معلومات عنها من الآخرين؛ فالأصل أن تحديد المدعوين وتنظيم المناسبة شأن يرجع إلى صاحبها، ما لم تكن المناسبة معلنة صراحة باعتبارها مفتوحة للجميع.

قد يقول البعض: «وما المشكلة؟ صاحب العرس كريم، ولن يرد أحدًا». وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فصاحب المناسبة قد يكون قد أعد الطعام والضيافة وفق عدد محدد، وهيأ المكان والمقاعد ومواقف السيارات والخدمات بناءً على عدد المدعوين المتوقع.

وعندما يحضر عدد إضافي من الأشخاص دون دعوة، يجد صاحب المناسبة نفسه في موقف محرج؛ فهو لا يستطيع أن يقول لهم: لم أدعكم، وفي الوقت نفسه لم يكن مستعدًا لاستقبالهم.

وقد تكون النتيجة ازدحامًا، أو نقصًا في الطعام، أو قصورًا في أماكن الجلوس، أو ضغطًا على الخدمات، وقد يتأثر بذلك ضيوف تمت دعوتهم أصلًا وكان صاحب المناسبة قد أعد لهم كل شيء مسبقًا.

وفي النهاية، قد يتحمل صاحب المناسبة حرجًا اجتماعيًا وتنظيميًا لم يكن سببًا فيه.

من المهم أن نفرق بين الكرم وحسن الضيافة وبين التعدي على حق صاحب المناسبة في تحديد ضيوفه؛ فالمجتمع العُماني معروف بالكرم وإكرام الضيف، وهذه قيمة عظيمة يجب المحافظة عليها، ولكن الكرم لا يعني أن نفرض أنفسنا على الآخرين، ولا أن نجعل من مناسبة خاصة مناسبة عامة دون إذن صاحبها.

والأجمل أن يكون حضورنا للفرح قائمًا على دعوة واضحة، أو على معرفة وثيقة بصاحب المناسبة تجيز لنا الحضور، أو بعد الاستئذان منه.

ومن المسؤولية الاجتماعية كذلك أن نعيد النظر في طريقة تداول معلومات المناسبات؛ فليس كل ما يصل إلى مجموعات التواصل الاجتماعي ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة عامة.

قد يُرسل شخص موعد المناسبة إلى مجموعة بهدف إخبار الأقارب أو الأصدقاء، أو لمجرد مشاركة المعلومة، وليس بقصد دعوة جميع أعضاء المجموعة.

ومن هنا فإن نشر موعد وموقع وليمة الزواج ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لاستدعاء أشخاص لم يقصد صاحب المناسبة دعوتهم.

إنَّ احترام الدعوة ليس ترفًا اجتماعيًا، وإنما هو احترام لصاحب المناسبة وحقه في تنظيم يومه بالطريقة التي يراها مناسبة، فكما أن من حق الإنسان أن يدعو من يشاء، فإن من واجب الآخرين أن يحترموا دعوته وحدودها.

ولذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: «لماذا لم يدعوني؟»؛ بل السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا قبل أن نتوجه إلى المناسبة: «هل دعاني صاحب المناسبة؟». فإذا كانت الإجابة «نعم»؛ فأهلًا وسهلًا، والفرح فرحنا جميعًا. وإذا كانت الإجابة «لا»؛ فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لصاحب المناسبة هو احترام اختياره، وعدم وضعه في موقف محرج، وترك مساحة له ليحتفل بمناسبته كما أراد وخطط لها.

المجتمع الراقي ليس هو الذي يكثر فيه الحضور إلى المناسبات، وإنما هو الذي يعرف أفراده متى يحضرون، ومتى يستأذنون، ومتى يكون عدم الحضور هو عين الاحترام؛ فليس كل وليمة عرفنا بها قد دُعينا إليها، وليس كل باب فُتح للضيوف يعني أننا مدعوون للدخول.

وأخيرًا أقول.. الدعوة حق لصاحب المناسبة، والحضور احترام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z